دونالد ترامب: الملاكم وقد صار مغني “راب”

جو حمورة

نشر أولاً على موقع المدن

وتحتم المواجهة والمخاطرة لتحقيق الربح والنجاح. في تلك الميادين، لا تهم كمية الأرباح السنوية المحصّلة ولا دوامها فقط، إنّما يُقاس النجاح بالضربات القاضية والقدرة على إخراج الآخرين من الحلبة.

كملاكم فذّ، راهن ترامب، منذ العام 1971، على قطاع العقارات في أحياء منهاتن وكوينز في ولاية نيويورك. نجح بالتغلب على أخصامه الآخرين من رجال أعمال بالضربات القاضية، فسيطر بقوة المال وسرعة الشراء على أبرز مباني تلك الولاية وأفخم فنادقها. أخرج منافسيه من السوق، ولوى ذراع حاكم الولاية ماريو كيومو في نهاية الثمانينيات، فبات كل شيء مباحاً لتمتد إليه يداه.

مثله مثل الملاكمين الذين يبحثون عن اعتراف بقوتهم الخارقة وانبهار بتسيّدهم على الحلبة، راح ترامب يقنع العالم بتفوقه المبالغ فيه. الكتب الكثيرة التي تخبر عن نجاحاته، كما إسمه الموضوع على لوحات كبيرة فوق المباني ذات التصميم الحديث، كانت بمثابة الدعاية التي تدعو قرّاءها إلى الاعتراف بحقيقة واحدة: دونالد ترامب شخص ناجح وقوي واستثنائي.

الحقيقة عند رجل الأعمال النهم والباحث عن المجد، غير مهمة، ولا توازي، بأي شكل من الأشكال، ما يقتنع به الناس. كان ترامب مديناً للمصارف بمئات ملايين الدولارات خلال فترة نجاحاته كلها، لكن أحداً لم يكترث لهذه الحقيقة التي طغت عليها لوحات ترامب التي تزيّن أضخم مباني أميركا. راهن الرجل على قطاع المقامرة في بلاده، فراح يشتري، بالدين طبعاً، كازينوهات في طول أميركا وعرضها، وبشكل شبه عشوائي. كانت النتيجة أن تلقى الرجل الكثير من اللكمات بعد فشله في إدارة عمله في هذا القطاع، ومن دون أن يحصد منه إلا القليل من الأرباح، ليعود ويبيع معظم كازينوهاته لسداد ديونه المستحقة.

كملاكم هائج تتحكم به المرارة، ما عاد ترامب يملك الكثير من القوة. بعدما فشل في قطاع المقامرة، شاح نظر الرجل عن عالم الأعمال قليلاً، واهتم بتعزيز صورته البراقة أكثر من أي أمر آخر. لم يكترث كثيراً لخسائره الدائمة وفشل بعض مشاريعه بقدر ما اكترث لنظرات الآخرين إليه. عوض خسائره المالية بالرضى النفسي الذي حصده عندما أقنع الناس بعظمته، حتى وإن اضطره الأمر السعي إلى الشهرة بأساليب استعراضية مختلفة.

نظم انتخابات ملكات جمال أميركا لأعوام عديدة. ثم كانت شهرته الكبيرة عندما شارك في برنامج The Apprentice 2004-2015  الذي أداره، ولعب فيه دور صاحب الشركة الناجح الذي يتحدى من يتقدمون للعمل لديه، فينتهي الأمر بطرده لمعظمهم لأنهم لم يلبّوا طموحاته ويحسِنوا أداء الوظائف المناطة بهم. كما راح يبدل زوجاته بسرعة وبلا شفقة، فيتزوج واحدة جديدة فائقة الجمال ما أن يخفت جمال السابقة أو تكثر مطالبها.

تشبه استعراضات ترامب في عالم الأعمال، استعراضات مايك تايسون في عالم الملاكمة. الصور الغريبة، العراضات العشوائية في الحلبة، كما الكلام غير الواقعي هي، كلها، من صفاته الدائمة، فيما إلصاق نفسه بالبطولة والتحدي هما من ميزاته الخاصة. صحيح أن تايسون لم يتغلب مرة على محمد علي كلاي، إلا أن للجميع انطباعات جيدة عنه، وما أن يسمعوا باسمه حتى يُلحقوه، بشكل تلقائي، بمدائح النجاح وصفات القوة، تماماً مثلما يفعل من يسمع باسم دونالد ترامب كرجل أعمال.

ما أن دخل عالم السياسة وبات رئيساً لأميركا حتى اختفى الملاكم من شخصيته. ترامب رجل الأعمال غير ترامب السياسي. في هذا الميدان الجديد، أراح الملاكم السابق ذراعيه وأدار محركات لسانه. بات ترامب السياسي أشبه بمغني “راب” سلاحه القاتل لسانه السليط وأفعاله الغريبة.

تاريخ فن “الراب” حديث بشكل عام. هو نتاج ثقافة الأميركيين من أصول أفريقية، وحصد شهرته منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي. لهذا الفن أسلوبه الخاص، حيث يتمايز بالسرعة وباختصار العبارات، كما بكثرة التحرر من الانضباط اللغوي، وعدم التورع عن البذاءة لإيصال رسالة ما. أما مغني “الراب” فله بعض الصفات العامة، حيث يشكّل عدم تحمله للمسؤولية الناتجة عن كلامه واحدة من أهمها، ثم تليها غياب ثقافة الاعتذار أو التراجع عن هذا القول أو ذاك. بالإضافة إلى كثرة تحوير الحقيقة، والرفع من شأنه على الملأ والحط من أخصامه عند الغناء.

يتشابه مضمون وأسلوب كلام ترامب مع مغنييّ “الراب”. في دراسة إحصائية أعدتها أولي كايان تحت عنوان “سهولة قراءة وبساطة لغة دونالد ترامب”، تظهر الباحثة في علم اللغات أن الرجل كان، بالمقارنة مع غيره، أكثر المتكلمين طوال الحملة الانتخابية الرئاسية. كما احتل، كذلك، المركز الأخير عند دراسة متوسط عدد الكلمات التي استخدمها في كل جملة، والتي لم تتجاوز الخمس كلمات فقط في كل واحدة منها، ومن دون أن يكون فيها أي معنى عميق أو تعابير معقدة. إن بساطة التعابير وقصر الجمل وكثرة الكلام عند ترامب تشبه، إلى حد ما، أسلوب أداء مغنييّ “الراب”. يتكلمون كثيراً في جمل قصيرة غير معقدة، ليجذبوا أكبر عدد من الناس.

يدل سلوك ترامب خلال الخلاف الذي اندلع مؤخراً بينه، وبين رئيسة مجلس النواب الأميركي، على الكثير من شخصيته. يريد ترامب من نينسي بيلوسي ومن مجلسها، أن يوافقوا على تأمين مبلغ 5 مليارات دولار لبناء جدار حدودي مع المكسيك لحماية الحدود الجنوبية للبلاد.

بدأ الخلاف بجلسة علنية منقولة على الهواء بين ترامب وبيلوسي في مكتب البيت الأبيض في 11 كانون الأول 2018. في تلك الجلسة، ظهر مغني “الراب” ترامب بشكل صريح. قاطع كلامها مرات، وتهجم عليها بعبارات قصيرة لا تليق بمقام رئيس دولة، ثم انتهى الأمر بعدما أفهمها بطريقته الفظة أنه صاحب السلطة والرئيس القوي الذي يحقق مشيئته في نهاية المطاف.

عقد الطرفان، كذلك، اجتماعاً آخراً في 9 كانون الثاني 2019، إلا أن نتائجه كانت أفدح من اللقاء السابق. دخل ترامب الاجتماع وتكلم عن ضرورة بناء الجدار الحدودي وبرر أهميته لتعزيز أمن البلاد. لم تمر إلا ثوان على رفض بيلوسي وآخرين لمقترحاته حتى غادر اللقاء مسرعاً، وصرح للإعلام بأن “الإجتماع كان مضيعة للوقت”. في عالم “الراب” يشبه تصرف ترامب من يتولى الغناء في ختام المواجهة بين الفنانين. يقول المغني الأبرز ما يريده ثم يرمي “الميكروفون” من يده ويُنهي المواجهة. في عالميّ “الراب” وترامب، الكلمة الفصل تكون لمن يقول ما يشاءه دون الحاجة إلى سماع الآخرين.

مع فشل اللقاءات بين الطرفين، أمر الرئيس الأميركي بإغلاق مؤسسات الحكومة الاتحادية للضغط على خصومه، مؤكداً أنه لن يعيدها إلى العمل إلا عند موافقة مجلس النواب على تمويل بناء الجدار الحدودي. ترافق هذا الإغلاق مع تصرفات مراهقة لترامب، مثل نشره أمراً بسحب التمويل عن سفر بيلوسي إلى الخارج، وإطلاق حملة عبر وسائل التواصل الاجتماعي لكي يرسل المواطنون سبائك صغيرة من الباطون إلى مكاتب معارضيه للضغط عليهم. من دون أن ينسى الحط من بيلوسي وزملائها والرفع من شأنه كلما خرج للتحدث إلى الإعلام.

من المؤسف أن من يدير أكبر دولة في العالم تتحكم به شخصيات مختلفة، ويتصرف بشكل يشبه سلوك المراهقين، وكل ذلك بات أشبه بأمر طبيعي في عالمنا العصبي والسريع. ولعله يبني في نهاية الأمر جداره الحدودي بطريقة أو بأخرى.

Leave a Reply