من الغابة إلى المجمّع التجاري: الحصاد والصيد وأنماط التسوّق

جو حمورة

نشرت أولاً على موقع المراسل

في أحيان كثيرة، تتحول مسألة تمضية الوقت، و”إضاعته”، في المتاجر والتجمّعات التجارية، خلافية بين أي اثنين، وتحديداً الزوجين. التعميم خاطئ، لكن الإثارة الناتجة عن البحث عن أنماط تصرف الناس تجيز المخاطرة. الصورة العامة هي الآتية: إن كنتَ رجلاً فأنتَ، على الأرجح، لا تهتم كثيراً للتسوّق، وعندما تمارسه تعود سريعاً عند إتمام الهدف الذي تريد تحقيقه. أمّا وإن كنتِ إمرأة فأنتِ، على الأغلب، من هواة التسوّق، وترينه نشاطاً ممتعاً وقد يستمر لساعات وساعات.

وجدت دراسة استطلاعية موّلتها ونشرتها شركة Quidco البريطانية للتسوّق عام 2013، أن الرجال يشعرون بالملل بعد 26 دقيقة فقط من التسوّق، في حين يستغرق الأمر أكثر من ساعتين كاملتين عند النساء. كما وجد الاستطلاع نفسه أن 80 في المئة من الرجال لا يحبون التسوّق مع شركائهم، فيما يتجنبه 45 في المئة منهم بأي ثمن. أما نهاية رحلات التسوّق الزوجية، فنصفها ينتهي بخلافات كلامية في ما بين الزوجي. وبحسب الدراسة، ففي وقت تصف معظم النساء ممارسة التسوّق بالتجربة الممتعة، يُعبِّر معظم الرجال عن شعورهم بالإحباط لأنهم اشتروا ما يحتاجونه على الفور، في حين أن شركاءهم قد استغرقوا وقتاً طويلاً لاتخاذ القرارات.

لماذا هذا الفرق الواضح بين معظم الرجال والنساء عندما يتعلق الأمر بالتسوّق واقتناء الأشياء؟ هل يعود الأمر إلى التربية أم أنّ للمسألة أسباباً أخرى قد تصل إلى حاجة الإنسان الدفينة إلى تجديد الملبس إرضاء للآخر؟

من المدهش أن بعض القراءات والأبحاث الأنتروبولوجية عن هذا الموضوع لا تدل على أي علاقة حقيقية وقوية مع هذه الاحتمالات. إنما تضيء على أمرين فقط، وهما الحصاد والصيد.

في كتابه “السقوط: جنون الأنانية في تاريخ الإنسان وبزوغ فجر عهد جديد”، يقدم ستيفن تيلر بحثه الأنتروبولوجي عن نمط حياة الإنسان القديم وأسلوب عيشه، وعن تقسيم العمل الواضح الذي كان سائداً بين النساء والرجال. لا يتكلم الكتاب عن التسوّق بشكل صريح، لكن يمكن من خلال مضمونه فهم الفرق الظاهر بين النساء والرجال عندما يتعلق الأمر بالبحث عن الأشياء واقتنائها.

يُعيد الانتروبولوجيون وبحّاثة التاريخ البشري معظم تصرفات الإنسان في عالم اليوم إلى تجارب الإنسان الماضية وما خلّفته من أثر على شكل ذاكرة جماعية. وفي هذا الصدد، يعتبر تيلر وغيره أنّ مهام النساء والرجال بقيت طوال التاريخ المعروف، وحتى الأمس القريب، مقسّمة بشكل شبه ثابت: النساء تهتم بتربية الأطفال وبحصاد الزرع، فيما الرجال يهتمون بتأمين الحماية وبصيد الطرائد.

لا تزال مهمة تربية الأطفال قائمة على عاتق النساء بشكل أساسي عند أغلب سكان الكوكب، فيما الحماية يتابع الرجال تأمينها بشكل مستمر. وفق تيلر، لعلّ أكثر ما تغيّر إبان الثورة الصناعية هو إعادة توزيع العمل في ما يتعلق بالحصاد والصيد. فمنذ 8000 سنة وحتى المراحل الأخيرة من الثورة الصناعية، كان الحصاد من مهام النساء. هذا العمل وقع على عاتقهنّ لأنه قليل الخطورة مقارنة مع الصيد مثلاً، كما بسبب وقوع مكان الزرع والحصاد بجانب المنزل، مع ما يؤمنه هذا الأمر من سهولة في الوصول إليه وحمايته من الحيوانات. لا تزال، حتى اليوم، فكرة تشييد حديقة خلف المنزل في الأرياف وضواحي مدن العالم نتاج استمرار ممارسة الزرع والحصاد بجانب البيوت منذ القِدم.

لثقافة الحصاد التي مارستها المرأة خصائص مميّزة. واحدة منها هي أنها عندما تُمارسه قرب البيوت، فهي تمارسه بشكل جماعي، وهو ما يتشابه مع ممارسة النساء لهواية التسوّق ثنائيا أو جماعيا أحياناً. ميزة مهمة أخرى لثقافة الحصاد هي أنها تقدم ترف الاختيار. من عمل ولو لمرة واحدة في حصاد أي نبات أو خضار وفواكه يعرف تماماً أن ميزة الحصاد الجيّد هي حسن الاختيار. إنّ ما يُحصد هو الناضج، فيما يُترك لفترة لاحقة ما لم تحن ساعته بعد، أما الذي اهترأ أو تشوبه علة، فلا حاجة لجلبه إلى المنزل. يتشابه نمط تسوّق النساء اليوم مع نمط الحصاد السابق: تدخل امرأتان أو ثلاث إلى مجمّع تجاري معاً، تماماً كما كنّ يدخلن جماعياً لحصاد الأرض في الماضي. يستمر العمل في الأرض لساعات طويلة، وتتخلله بعض التسلية والأحاديث، تماماً كما يحصل، غالباً، خلال ممارسة هواية التسوّق. تتمتع النساء خلال التسوّق بميزة الاختيار، فتختار ما تراه “ناضجاً” وقد حان موعد “قطافه”.

يرى أستاذ علم النفس التطوّري في جامعة “ميشغن” الأميركية دانيال كروغر أنه من الطبيعي أن تحب النساء التسوّق وأن يكرهه الرجال بسبب ماضينا التطوّري”. وفقاً له، “لقد كانت النساء خلال العصور الأولى من التاريخ وحتى بضعة قرون ماضية موكلات بالحصاد، لذا يشعرن بالحاجة إلى التحقق من شكل وحجم كل حبة توت في الطبيعة للتأكد من حصولهنّ على أفضل صفقة ممكنة”. وهذا ما يعني، عملياً، قضاء الكثير من الوقت في الحصاد من أجل الاختيار، تماماً كما يحصل مع معظم النساء خلال التسوّق.

أما الرجال، وفق كروغر أيضاً، “فقد كانوا موكلين بالصيد في ثقافات أسلافنا، مع ما يرافقه من خطر وضرورة تنفيذ المهمة بأسرع وقت ممكن، وسواء أكانوا يبحثون عن غزال أو عن زوج من الأحذية، فإنهم يريدون الحصول عليه قبل أن يهرب منهم”. كذلك الأمر، كان الصيد يُمارس في القدم بشكل فردي إجمالاً، فلا حاجة لوجود رجال آخرين قد ينافسون الصيّاد على ما أرداه بسهمه أو برمحه، لذلك أثرت ممارسات أسلافنا على الرجال خلال ممارس التسوّق، وبقوا يفضلون ممارسته بشكل فردي بشكل عام.

تختلف ثقافة الصيد عن ثقافة الحصاد بحيث أنها لا تقدم لممارسها ترف الاختيار. لم يكن الصيد في الماضي مجرد هواية شبابية كما هي الحال عليه اليوم، إنما أسلوب حياة يتوقف بقاء الأفراد وفناؤهم على نسبة نجاحه. لذلك، إنّ ترف الاختيار غير موجود عند من يتصيّد ليأكل، فلا يُفضل خنزير سمين على خنزير يافع، بقدر ما يطلق النار على ما يستطيع إصابته، ليعود ويذهب سريعاً إلى المنزل حاملاً طريدته المضرجة بدمائها. يتشابه الأمر مع أسلوب ونمط أغلب الرجال عند التسوّق: الدخول إلى المكان، رصد ما يريدونه، شراءه سريعاً دون البحث عن بدائل، ثم المغادرة.

إن تجربة الرجال مع التسوّق غير ممتعة إجمالاً، إلا أنها عملية وتحقق المراد منها بشكل سريع. أما النساء، فتجاربهنّ في المجمّعات التجارية والأسواق أكثر متعة، إلا أنها تهدر الكثير من الوقت، ويتخللها أحياناً بعض الضياع وعدم قدرة على الاختيار. إنّ “حصاد” النساء للسلع هواية ممتعة، بينما “صيد” الرجال لها فعمل سريع وهادف.

وفق هذه الدراسات، لم يتغيّر الكثير في حياة النساء والرجال وأنماط التصرف إذاً. إن كل ما غيّره التطوّر فينا هو أننا انتقلنا من الغابة إلى المجمّع التجاري. أبقينا أنماط حياة أسلافنا حيّة في تصرفاتنا، التي تبقى أسيرة ذاكرتنا الجماعية. ما زلنا نمارس ما مارسه أسلافنا حتى اليوم، وإن بأشكال أكثر حضارية وبطرق أقل وضوحاً وحسماً.

Leave a Reply