تسويق الدخول إلى ليبيا.. و”الوطن الأزرق” التركي

جو حمورة

نشر أولاً على موقع المدن

لطالما توجّس عدد لا بأس به من الأتراك من مغامرات بلادهم خارج أراضيها. لم يوافق جميع الأتراك على الدخول إلى سوريا عسكرياً، ولم يؤيّد معظمهم سياسة الباب المفتوح أمام اللاجئين القادمين من الجنوب. إلا أن الغالبية لا تعادي الحكومة وسياساتها من باب السياسة الخارجية، إنما تؤيدها في أكثر الأحيان.

يلعب الإعلام التركي دوراً بالغ الأهمية في تسويق أفكار الدولة وتبرير أنشطتها الخارجية. كما يساهم في تغطية النقص الحاد في المعارف العامة للأتراك عن أحوال دول أخرى، بعيدة نسبياً من بلادهم. ومنها ليبيا التي قررت أنقرة التوجه إليها بحملة سياسية وعسكرية لـ”استعادة الشرعية” بعد الاتفاق مع حكومة الوفاق الليبية، والسعي إلى تثبيت وقف لإطلاق النار ولعب دور أكبر في الإقليم.

كثيراً ما يخلط المواطن التركي العادي، بين ليبيا ولبنان. فباستثناء تجار اسطنبول ومارمريس، وبعض الكتل الجامعية والمثقفة، يضيع التركي عند لفظ كلمة ليبيا أمامه. فحيناً يظنها لبنان، وحيناً يظنها تقع في الخليج العربي. يعود هذا الأمر إلى تشابه لفظتي لبنان وليبيا في اللغة التركية، كما إلى وجود مدينتي طرابلس في البلدين.

يستغل الإعلام التركي الفجوة التربوية حول البلدان خارج بلاده بشكل ملحوظ، ويستطيع، من دون جهد يُذكر، أن يؤثر في الرأي العام في ما خص سياسة البلاد الخارجية. فيمكنه، بسهولة نسبية، أن يقنع التركي بأن مصلحته الشخصية والقومية والوطنية تحتم على دولته الذهاب إلى ليبيا. كما يبث الإعلام عدداً لا بأس به من الدراسات العادية والكلمات الصعبة أمام المشاهد، فينتهي الأمر، بعد فترة، بأن يصبح التركي أكثر حماسة من حكومته بالذهاب إلى ليبيا.

لقد أقنع الاعلام التركي جمهوره بأن مصلحة البلاد القومية، كما خدمة الإنسانية، تتحقق عند الدخول على خط النزاع في ليبيا. استخدم الإعلام وسائل عديدة لتحقيق ذلك. فمنذ بداية شهر ديسمبر/كانون الأول، يستمر الترويج لتلك المصلحة عبر بث مشاهد للحالات الانسانية القاسية التي يعانيها الليبيون، ثم ألحقها بتغطية مطولة لزيارة المسؤولين الليبيين للقاء القادة الأتراك. أضفى الإعلام التركي بذلك على التدخل بُعداً قِيَمياً، وجعل من التدخل التركي بمثابة خدمة إنسانية إنقاذية لليبيين.

لم يكتفِ الإعلام بذلك، بل نشر بعض الوثائقيات القديمة عن تاريخ العلاقة بين السلطنة العثمانية وليبيا، وعن أعمال وحروب مصطفى كمال أتاتورك في تلك البلاد، وحربه ضد الإيطاليين عامي 1911 و1912، مغذياً بذلك النزعة التركية المشدودة لأمجاد التاريخ وبطولات الأجداد والسلف.

وكانت أنقرة قد تقربت خلال الفترة السابقة من حكومة الوفاق الليبية وتوصلت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية بين البلدين، الأمر الذي رأى فيه الأتراك استعادة لبعض النفوذ المتلاشي في البحر المتوسط، وضربة مؤذية للتحالف القبرصي المصري اليوناني المتشكل هناك، والذي أخذ من الجانب التركي عدواً له. فأظهر الإعلام التركي التدخل في ليبيا حاجةً قوميةً ضرورية للرد على أعداءه الإقليميين.

لم ينسَ الإعلام التركي، كذلك، استخدام مصطلحات معقدة لغرض الاقناع. عدا “المجال الحيوي” لتركيا و”مقارعة القوى الأوروبية في أفريقيا”، وتعابير “الحيد البحري” و”الجرف القاري” المعقدة وغيرها، تردد تعبير “الوطن الأزرق” بشكل كثيف مؤخراً في الإعلام التركي.

ويعود هذا المصطلح إلى العام 2006، يوم أطلقه الأدميرال البحري التركي المتقاعد، جيم غوردنيز، وقدم من خلاله استراتيجية للدولة التركية لتوسيع النفوذ في البحار الثلاث التي تجاور بلاده. هذا وكانت أنقرة قد تلقفت تلك الاستراتيجية وسعت، منذ ذلك التاريخ، لتعزيز قوتها البحرية عبر زيادة أعداد الموانئ البحرية وتحديث الأسطول التركي وتنفيذ المناورات البحرية، كما اللجوء إلى القوانين الدولية والاتفاقات الثنائية لتأكيد حقها الاستثماري في 462 ألف كيلومتر مربع، وهي المساحة التي تمثلها المياه الإقليمية التركية، وتساوي حوالى نصف مساحة البر التركي.

لقد قدم الإعلام التركي التدخل في ليبيا كحاجة قومية للبلاد وأهله، بعدما ربط مصلحة تركيا الحالية بتاريخها القديم، وحاضرها بتوسيع نفوذها في البحر المتوسط، فكسبت أنقرة بذلك تأييداً شعبياً للتدخل في ليبيا، بعدما سوق الإعلام لسياسات الحكومة الخارجية.

قسم محدود من الأتراك لم يتأثر بالدعاية الإعلامية، وما زال يرفض سياسات حكومته الخارجية، إلا أن تأثيرهم لا يعوّل عليه لعرقلة خطط الدولة وحاجتها لزيادة نفوذها الإقليمي. يدور معظم هؤلاء في فلك الأحزاب المعارِضة التي تمارس دورها الطبيعي في معارضة كل ما تقوم به الحكومة من دون تحقيق أي أثر حقيقي وناجح في ذلك.

إن تعويل أعداء تركيا على معارضة داخلية لتحجيم دورها الخارجي أو لجم سياساتها الإقليمية، بحسب ما تسوق وسائل اعلام مناهضة لأنقرة الآن، مجرد وهم. قد تفيد المعارضة الداخلية في ردع السلطة عن ممارسة سياسة داخلية ما، لكنها، على مدى عشرات السنوات الماضية، لم تؤثر بتاتاً في تعديل السياسة الخارجية. يعود هذا الأثر المحدود إلى المناهج التربوية التركية غير المعنية بتعليم أي شيء ذي أهمية عما يدور خارج تركيا، مما يسهل اقناعه عبر حملات الإعلام المحلي في تسويق أي سياسة خارجية يشتهيها.

Leave a Reply