“Lastesis” تصل إلى تركيا: رقص وأغنية ضد المغتصب

جو حمورة

نشر أولاً على موقع المدن

لا يعرف أحد هوية التركي الذي زار موقعاً إلكترونياً تشيلياً منذ مدة قصيرة، ووجد مقطع فيديو لرقصة نظمتها جمعية نسائية تدعى “Lastesis” أمام القصر الرئاسي في العاصمة سانتياغو تحت عنوان “في طريقكِ مغتصب”. ثم قام بنقل الفيديو إلى وسائل التواصل الاجتماعية التركية، مسوقاً لها عن قصد أو من دون قصد. ما هي إلا ساعات قليلة حتى بات الفيديو منتشراً بين الأتراك، خصوصاً بعدما تُرجمت كلمات الأغنية إلى اللغة التركية، فسهلت انتشاره بين الشباب، وتحديداً الفتيات.

قد يُعجب المشاهد بهذا الفيديو لأسباب عديدة. التصوير “الحديث”، لحن الأغنية المتحرك، لباس النساء اللواتي وضعن أغطية سود على عيونهنّ فيه، أو لمجرد كلماته القوية التي توحي بصراحة عالية النبرة ضد المُغتصب، وتشير إليه في الكلمة والإصبع وحتى العيون، وتعمم هويته من دون خجل أو مداراة.

تقول الأغنية في أحد مقاطعها: “أنتَ كنت المغتصب، أنت هو المُغتصب. هم الشرطة والقضاة والدولة والرئيس. الدولة القمعية هي أكبر المُغتصبين”. ثم تكمل بتعميمها “البطريركية كالقاضي الذي يحاسبنا بسبب هويتنا. وعقابنا هو القمع الذي نتعرض له. هذه جريمة بحق النساء، فيما المحرم محصّن، هذا هو الاغتصاب…”.

على هذا المنوال تكمل الأغنية لدقيقتين باتهام الرجال والسلطات باغتصاب النساء، والترويج لإحدى تيارات الحركات النسوية القائلة بوجود ثقافة اغتصاب عامة في المجتمع لا تعود لبعض الرجال فقط إنما لكل الرجال ولكل الأنظمة. هذا التعميم والتحيّز الواضح في المضمون، لم ينفِ رواج الفيديو وتلقفه من كثر، خصوصاً في تركيا التي تعاني، كما تشيلي وغيرها من الدول، من تزايد لحالات العنف التي تُمارس ضد النساء.

واللافت هنا هو حدود التأثير في زمن الإنترنت الذي بات سلاح الشباب والناشطين للهجرة الافتراضية والبحث عن التأثير، فتشيلي تبعد من تركيا آلاف الأميال، وقد يأخذ الأمر يوماً كاملاً من السفر للوصول من أنقرة إلى سانتياغو. حفنة قليلة من الأتراك زارت تلك البلاد البعيدة في الجغرافيا، والغريبة عنهم في الثقافة والهوية والدين، أو تنزهت في شوارعها لغرض المغامرة. ولا رابط تاريخياً أو حاضراً ذا معنى يربط بين شعبي الدولتين.

ولم يكتفِ الأتراك بمشاهدة الفيديو بل قامت بعض الحركات النسوية بتقليده وتأدية الأغنية والرقصة في شوارع اسطنبول وأنقرة وإزمير منذ 19 كانون الأول/ديسمبر الجاري، بعدما قلموها بحسب ثقافتهم: غيروا قليلاً في الرقصة وحرّفوا بعض الكلمات التي يبدو أنها ضاعت عند ترجمتها إلى التركية.

ورغم ذلك فعلت تأدية “في طريقكِ مُغتصب” فِعلها وباتت حديث الساعة في تركيا، حيث أوقفت السلطات التركية 25 فتاة شاركنّ بتأدية الأغنية والرقصة، وأحالتهنّ إلى التحقيق بجرم خرق المادة 2911 من القانون المدني حول حق التظاهر والتجمع، وقانون رقم 301 الذي يعاقب من يهين الدولة والجمهورية ومؤسساتها. إلا أن بعضهنّ أفرج عنهنّ على أن تتم متابعة ملفاتهنّ في وقت لاحق، بعدما أخذ الأمر كثيراً من الجدل في الإعلام التركي وحتى البرلمان.

وأدلت برلمانيات تركيات، خصوصاً أولئك المنتميات للأحزاب العلمانية، بدلوهنّ في القضية عبر إنشاد أغنية “في طريقكِ مُغتصب” من داخل البرلمان رافعات صور الفتيات الموقوفات وبعض ضحايا حالات الاغتصاب المشهورة في تركيا، ما أعطى زخماً جديداً لتلك اللوحة الفنية ومعانيها، وأجبر السلطات القضائية على التروي والتخفيف من شدة ملاحقة من تظاهرنّ في إزمير.

وتعاني تركيا في السنوات الأخيرة من ارتفاع في أعداد حالات الافصاح عن التعرض للتحرش الجنسي، كما شدة الاغتصاب وأساليبه. فعلى الرغم من تعديل بعض القوانين في الفترة الماضية وتشددها في ملاحقة الفاعلين، إلا أن بعض المتهمين مازالوا يخرجون من دون عواقب وخيمة مستغلين الفجوات في القوانين المحلية، علماً أن تركيا اهتزت بفعل حالات اغتصاب لفتيات في دور الطلبة، بينما تظهر في وسائل الإعلام أخبار عن حالات اغتصابات جماعية تكرر نفسها بين كل فترة وأخرى.

بالعودة إلى تشيلي، رقصت الفتيات في سانتياغو وأنشدن أغنية، فأزهر الفيديو حركة نسوية وتوقيفات ومظاهرات في المقلب الثاني من الكرة الأرضية، كادت أن تتحوّل حتى إلى أزمة سياسية في تركيا. على هذا المنوال، تختفي الخطوط الوهمية وحدود الدول في عالم الإنترنت، وينتقل كل شيء بين كل زوايا الأرض من دون اكتراث لهوية وثقافة ولغة، فيما يقدم العالم الافتراضي كنزه المفتوح منتظراً من يكتشفه ويستغله ويؤقلمه مع ثقافته، فيجعل مما اكتشفه قضية.

Leave a Reply