داوود أوغلو ينافس اردوغان.. بورقة الجميّز

جو حمورة

نشر أولاً على موقع المدن

طال انتظار الأتراك طويلاً ليُقدم أحمد داوود أوغلو على فعلته. الرجل الذي عاش وعمل وترقى في كنف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، عاد اليوم بحزب جديد بعد ثلاث سنوات على خلافه مع “صديقه” القديم واللدود.

في لقاء جماهيري في العاصمة أنقرة، أعلن رئيس الحكومة التركية ووزير خارجيتها السابق داوود أوغلو في الثالث عشر من كانون الأول / ديسمبر عن تأسيس “حزب المستقبل”، بعد سلسلة من الدعايات السياسية التسويقية سبقت الإعلان الرسمي، ومهدت الطريق ليأخذ الحزب صدى إيجابياً في الشارع التركي.

وكان داوود أوغلو القادم من خلفية أكاديمية قد اشتهر بوضع سياسة خارجية تركية حيوية، ونفذها على مدى سنوات. إذ وضع الرجل عقيدة “المجال الحيوي” ونفذ، على قدر المستطاع، سياسة “صفر مشاكل مع الجيران”، فتنعمت تركيا بسنوات من النفوذ الإقليمي المعتبر، وهامش أوسع من المناورة السياسية والاقتصادية، وقدرة أكبر على مقارعة خصومها الإقليميين. إلا أن “شهر العسل” التركي انتهى بخلافات بين أردوغان وداوود أوغلو على مواضيع وملفات داخلية متصلة بأساليب إدارة الدولة، فخرج الأخير من مسرح السلطة ومن صفوف الحزب الحاكم تاركاً الأضواء لأردوغان وحده.

استخدم داوود أوغلو سياسة تسويقية ودعائية بدت مؤثرة في تعزيز انطلاقة الحزب الجديد. بدأ الأمر، وعلى مدى عشرات الأيام، بسلسلة من المقالات والأخبار السريعة التي تؤشر إلى قرب موعد إطلاق الحزب الجديد، لكن من دون إعطاء تاريخ رسمي لذلك. ثم تلاها تسريب أسماء بعض مؤسسي الحزب، وجلهم من الشخصيات المؤثرة بالمجتمع والمشهود لها بالكفاءة، ومن ذوي الشهادات الأكاديمية المرموقة والتجارب السياسية والاقتصادية الناجحة. فيكون الحزب بذلك قد بدأ بأخذ الثناء والرضى من الناس منذ المراحل الأولى “السرية” للتأسيس مستخدماً الدعاية والتسريبات الإعلامية اليومية.

تعدت الدعاية التسويقية تلك الأساليب العادية المستخدمة في كل المجالات، فعمل داوود أوغلو وفريقه الإعلامي على استنباط إسم حديث وجذاب للحزب. إن نظرة سريعة لأسماء الأحزاب التركية الأساسية تشي برتابة في أسمائها وتعقيداً في تركيبتها. فبقدر ما تضفي كل من أسماء أحزاب “العدالة والتنمية”، “الشعب الجمهوري”، “الشعوب الديمقراطي” وغيرها على الكثير من الجدية، اختار داوود أوغلو مساراً مختلفاً، ووضع “المستقبل” كإسم لحزبه بشكل لا ينافي الجدية من ناحية، كما لا يلغي، من ناحية أخرى، إعطاء أمل بالأيام القادمة للشباب خاصة والأتراك عامة.

أما شعار الحزب الجديد، فبدا كثير البساطة وكثير العمق في آن. اختار “حزب المستقبل” ورقة شجرة خضراء كشعار له، وهي شجرة ذات مدلول مهم في الثقافة الشعبية والتاريخ التركي.

اختار الحزب الجديد ورقة شجرة تعرف باسم شجرة  Çınar، أو بشجرة الطائرة، وهي نوع من أشجار الجمّيز الموجودة بكثافة في الأراضي التركية، وقليلة الوجود خارجها. أما المدلول التاريخي لهذه الشجرة، فيعود إلى العهود الأولى للعثمانيين، حيث تقول الروايات الشعبية وتلك المدونة بكتب التاريخ بأن سليمان شاه (جد عثمان الأول؛ مؤسس الدولة العثمانية) قد رأى في منامه شجرة جميّز تخرج من صدره، وتغطي بفروعها وأوراقها كامل العالم الإسلامي. وهو ما يفسره الأتراك وبعض علماء التاريخ بأن شخصاً من نسل سليمان شاه سيخرج ليحكم العالم الإسلامي، فيضع الأتراك، بالتالي، كل هذا العالم تحت ظلالهم.

لم يختر داوود أوغلو هذه الشجرة عن عشوائية أو عبث بطبيعة الحال. إنما هي شعار مرتبط بفكره المؤمن بعودة الوريثة الشرعية للسلطنة العثمانية؛ الدولة التركية الحديثة، لتظلل العالم الإسلامي، وللعب دور إقليمي أكبر مما تلعبه اليوم. وهو الأمر الذي، على جميع الأحوال، سعى إليه داوود أوغلو خلال توليه وزارة الخارجية ورئاسة الحكومة التركية في الماضي.

لا يبدو أن “حزب المستقبل” يختلف كثيراً في هويته ومضمونه عن حزب “العدالة والتنمية” الحاكم أو حتى يختلف جذرياً عنه في الأهداف العامة، فلا يتعدى الخلاف الأساليب الواجب اعتمادها للوصول إلى الغاية المنشودة. لا ينقض الحزبان علمانية الدولة بالمطلق، لكنهما يؤكدان، في الوقت عينه، على هويتها الإسلامية. هما حزبان يمكن تصنيفهما بالوسطيين، بين اليمين واليسار، وبالمحافظين بين الإسلاميين والليبراليين. وهما حزبان يهمهما، على عكس الأحزاب الأخرى، لعب بلادهما لدور أكبر في الأقليم والعالم الإسلامي وحتى العالم.

سيتنافس الحزبين على الكتلة الشعبية نفسها، إلا أن “حزب المستقبل” يبدو من خلال صفات مؤسسيه ودعايته الحديثة حصاناً قد يحلو للكثر المراهنة عليه لتحقيق تغيير ما في تركيا. خاصة أن انطلاقته ودعاياته التسويقية قد فعلت فعلها وأمسى معظم حديث الإعلام التركي والأتراك اليوم عن داوود أوغلو والمستقبل وأشجار الجميّز ورمزيتها القديمة.

Leave a Reply