أكرم إمام أوغلو: رجل عادي لمدينة استثنائية

جو حمورة

نشر أولاً على موقع المراسل

19 يوماً فقط قضاها أكرم إمام أوغلو (49 عاماً) رئيساً لبلدية إسطنبول. لم يتفاجأ كثر بقرار “الهيئة العليا للانتخابات” إعادة الاستحقاق، بقدر ما كانوا تفاجأوا بفوز إمام أوغلو فيها. لقد تعوّد الأتراك، منذ عام 2002، على فوز متكرر لحزب “العدالة والتنمية” وكل من يرشحه زعيمه رجب طيب أردوغان، وعلى ظفر دائم لقوى الإسلام السياسي والمحافِظ برئاسة بلدية اسطنبول منذ عام 1994.

تغيّرت صفة الرتابة في الحياة السياسية والإنتخابية التركية على ما يبدو، بعدما استطاع الشاب المغمور كسر القاعدة وسلسلة انتصارات الحزب الحاكم. اتكل إمام أوغلو على خطاب عقلاني غير متسفز للمشاعر خلال حملته الانتخابية، وعلى تواصل مباشر مع القواعد الشعبية دون تمييز بين إسلامي وعلماني وكردي. تمكن مرشح المعارضة من خلق حالة خاصة في المسرح السياسي لمدينة اسطنبول، وجعل من نفسه بداية مشروع سياسي هدفه وراثة رجب طيب أردوغان.

بالمقارنة مع غريمه في الانتخابات البلدية بن علي يلدرم، لأكرم إمام أوغلو بعض المميزات التي طبعت حياته السياسية مؤخراً. فهو كثير الحيوية، ويبث خطاباً إيجابياً أينما حل، كما أنّه ينتمي إلى جيل الشباب نسبياً، وله بعض التجارب الناجحة التي تشجع الناس على الوثوق به. أما الأهم من كل ذلك فهو أنه عرف كيفية القفز فوق الاستقطابات السياسية والإيديولوجية بين الأتراك، وقدّم نفسه كجامع لها في شخصه.

البدايات: من طرابزون إلى إسطنبول

وُلد السياسي التركي عام 1970، في بلدة “أقشى آباد” الصغيرة المجاورة لمدينة طرابزون والمطلة على البحر الأسود شمال شرقي تركيا. لجده تجربة ملفتة في الحياة العسكرية التركية، إذ خاض الحروب إلى جانب مؤسس الجمهورية مصطفى كمال “أتاتورك” أوائل عشرينات القرن الماضي، فيما عمل والد أكرم إمام أوغلو بتربية المواشي بداية، ومن ثم بالتجارة بمواد البناء التي دفعته أرباحها للهجرة إلى اسطنبول عام 1987.

منذ مطلع التسعينيات، استقر أكرم إمام أوغلو ووالده في ناحية “بيليك دوزو” الواقعة في القسم الاوروبي من إسطنبول. تشابه هذا الانتقال مع نزوح مئات آلاف الأتراك من الأرياف إلى المدن الكبرى في تلك الفترة. ومثل الكثير من العائلات التركية المنتمية إلى الطبقة المتوسطة، استفادت عائلة إمام أوغلو من رواج أعمالها في بداية التسعينيات، متكلة على جنوح الاقتصاد التركي إلى المزيد من الليبرالية ورواج أعمال التجارة والمقاولات.

ساهمت الحالة المادية الجيدة للعائلة، بالتحاق إمام أوغلو بـ”جامعة اسطنبول” ليدرس إدارة الأعمال، ثم الحصول على درجة الماجستير في إدارة الموارد البشرية. بعد التخرج عام 1992، انضم الرجل لشركة والده التي تأسست حديثاً، ثم توسعت أعماله حتى بات يدير بعض المشاريع التجارية المختصة بأعمال البناء.

لم تمنع كثرة انشغال إمام أوغلو بالعمل عن اهتمامه بالشؤون الرياضية، إذ جذبت كرة القدم وإدارة النوادي الرياضية الشاب الطموح قبل أن تسرقه السياسة. بات، عام 2002، عضواً بمجلس إدارة نادي “طرابزون سبور” الأشهر في مسقط رأسه، ثم انتقل إلى إدارة مجلس نادي “بيليك دوزو”.

لا تختلف كثيراً سيرة الرجل عن سيرة الأتراك المنتمين إلى “طبقة” ميسوري الحال الجدد. هؤلاء استفادوا من الوضع الاقتصادي الجيد بداية التسعينيات، فنزحوا إلى المدن الكبرى، ثم استخدموا أموالهم لغرض الدراسة للحفاظ على إرث العائلة في مجال الأعمال، دون الغوص في النضال السياسي بشكل حقيقي أو مباشر.

الجنوح نحو اليسار

اهتم والد إمام أوغلو بالسياسة منذ الستينيات، وكان شاهداً على المواجهات الدامية وشبه اليومية بين ساسة وعصابات اليمين واليسار. انضم إلى حزب “الحركة القومية” اليميني المتطرف خلال السبعينيات، وترأس أحد فروع الحزب في ولاية طرابزون. ثم انتقل إلى حزب “الوطن” اليميني بعد حلّ حزبه من قبل الجيش بعد انقلاب عام 1980.

كانت عائلة إمام أوغلو محافِظة بشكل عام، وتميل بشكل كامل لقوى اليمين التركي. إلا أن ابنها، أكرم، خط مساراً خاصاً مختلفاً عن والده، حسبما يذكر في الكثير من مقابلاته. أعلن تأثره بحركات اليسار في الجامعات التركية، حيث منحته سنواته كطالب جامعي فرصة لكي يتعرف على الآخر في المجتمع، والتأثر بأفكار يسارية عديدة، مبتعداً بذلك عن مسار ونهج والده، لكن دون الجنوح للبحث عن أي مستقبل وطموح سياسي.

في تلك الفترة من التسعينيات، لم يكن اليسار التركي نشطاً إلا في الصروح الجامعية، فظل تأثيره محدودا في الشأن السياسي العام في البلاد. لكن دون أن ينفي ذلك قدرة الحركات الطلابية اليسارية على التأثير ببعض القادمين الجدد إلى المدينة، ومنهم إمام أوغلو الذي وإن تأثر ببعض الأفكار اليسارية، لم يجنح نحو السياسة المباشرة إلا بعد تأمين نجاحه في ميدان التجارة والأعمال.

تأخرت بداية حياته السياسية حتى عام 2008 حين انضم إلى حزب “الشعب الجمهوري”، وتولى رئاسة فرعه في ناحية “بيليك دوزو“. تأسس هذا الحزب على يد أتاتورك عام 1923، وغلب عليه طابع علماني وقومي في آن. مع وفاة مؤسسه وتوالي الأحداث في تركيا، جنح الحزب إلى أقسى اليسار حيناً، وإلى أقسى العداء للإسلام السياسي أحياناً أخرى، كما وإلى أقسى العداء للأكراد كل الأحيان. بات الحزب، ولا يزال، موحداً في الشكل، لكنه منقسم إلى تيارات وأجنحة ذات اختلافات إيديولوجية عميقة.

ثله مثل أي من أعضاء “الشعب الجمهوري” تقريباً، كان لإمام أوغلو فهمه الخاص لإيديولوجية الحزب، كما وتفسيره الشخصي لمسيرة أتاتورك. على عكس القوميين والمتشدديين علمانياً داخل الحزب، فهم إمام أوغلو “الشعب الجمهوري” بروحية ديموقراطية اجتماعية، دون الاكتراث كثيراً بالأبعاد القومية والعنصرية لدى أتاتورك تجاه المكونات غير التركية. فهم إمام أوغلو، من خلال بعض المقالات التي نشرها في السابق وبضعة مقابلات متلفزة، الهدف النهائي لحزب “الشعب الجمهوري” ببناء دولة حديثة تأخذ من الرفاه مشروعاً لها، وتخفف من الفروقات بين الطبقات الغنية والفقيرة، وتجد توليفة تعايش سلمية بين ذوي مختلف الخلفيات العلمانية والإسلامية في المجتمع.

لقد فهم إمام أوغلو حزب “الشعب الجمهوري” كحزب يسار وسط، وترشح على هذا الأساس إلى رئاسة بلدية “بيليك دوزو” أولاً، ومن ثم إلى رئاسة بلدية اسطنبول عام 2019.

حملة اللاستفزاز: التواصل مع الناس وإرضاء الجميع

في بلاد تحكمها الخطابات المتعصبة والشعبوية القادمة من كل منابر الإعلام، فضّل السياسي الطموح التوجه مباشرة إلى الناس، وخوض معركة انتخابية تآلف بين مختلف التيارات الإيديولوجية، قافزاً فوق الاستقطابات السياسية والفكرية الاعتيادية بين الأتراك. انتهج إمام أوغلو خلال حملته الانتخابية نهجاً متسامحاً ومباشراً مع الناس، فقرع أبواب المواطنين عندما ترشح إلى الانتخابات في “بيليك دوزو” عام 2014، وجلس في منازلهم وعلى موائدهم… فكان النصر حليفه.

في حملته الإنتخابية في اسطنبول عام 2019، كان الرجل قد زاد على رصيده احتراماً لتجربته البلدية الأولى حيث حسّن من كافة الخدمات، وزاد المساحات الخضراء والنشاطات العامة. فكسب، بالتالي، صيتاً مهماً دفع حزب “الشعب الجمهوري” نحو تلقف تجربته وتبني ترشيحه للإنتخابات البلدية في أهم مدينة تركية، وعاصمة البلاد التجارية والثقافية والتاريخية التي يقطنها 16 مليون مواطن.

استخدم إمام أوغلو خطاباً ودياً وإيجابياً غير شائع في الحياة السياسية التركية بشكل عام. فتكلم على المنابر بطريقة عقلانية، دون استفزاز الناخبين أو تعزيز الانقسامات بين الأتراك، إنما عبر بث الأمل في المستقبل. اتسم كلامه بالعقلانية والشعارات العادية، ولولا الكاريزما الخطابية التي يتمتع بها، لما حصد، ربما، على نجاح بين الأتراك.

لم يقتصر على توجيه كلامه إلى مناصري حزبه أو زيارة الأحياء الموالية له فقط، بل تعمد التجوّل في شوارع غير موالية له والتحدث مع الناس عن احتياجاتهم ومخاوفهم. لم يتكلم خلال جولاته في شؤون السياسة المعقدة والمؤامرات الدولية وأمور لا تمس المواطن بشكل مباشر، إنما ركز على الظروف الاقتصادية الآنية وصعوبتها، وعلى فشل الحكومة في إيجاد حلول فعلية ودائمة لها.

خاض الرجل حملته متبنياً شعار “إسطنبول مدينتكم” و “يوجد حل”، وركز على جذب الناخبين المحافظين والأكراد، وليس الإتكال فقط على قاعدة “الشعب الجمهوري” العلمانية فقط. في واحدة من خطاباته العلنية المنقولة على الهواء، إضطر إمام أوغلو إلى التدخل بحزم لمقاطعة هتاف الجماهير التي راحت تصرخ “نحن جنود أتاتورك”، معلناً أنه مرشح الجميع وسيكون رئيس بلدية الجميع بغض النظر عن خلفيتهم أو عرقهم أو دينهم. كذلك الأمر، وخلال تجواله في الأسواق، رفض رجل من أنصار الحزب الحاكم السلام على إمام أوغلو، فما كان من هذا الأخير إلا أن غمره، وشدد على أن الإختلاف لا يفسد في الود قضية.

تعامل إمام أوغلو خلال حملته الانتخابية بذكاء عندما هزت العالم مجزرة نيوزيلاندا في 15 آذار/مارس الماضي. في اليوم التالي لذلك الحدث، وفيما كان أردوغان يصرّح للإعلام عن المؤامرة الغربية ضد الإسلام ويستغل الدين لأغراض سياسية، كان إمام أوغلو في جامع السلطان أيوب يقرأ آيات من القرآن عن أرواح الذين قُتلوا. لاقى تجويد إمام أوغلو الكثير من التعليقات الايجابية المنتشرة على الفيديو المحمّل على كافة وسائل التواصل الاجتماعي، كما على استحسان النقاد والقراء والناخبين غير المعتادين على قيام مرشح “علماني” بمثل هذه الأمور.

كذلك الأمر، لم يستخدم إمام أوغلو خطاباً قومياً عنصرياً تحريضياً ضد الأكراد كما درج عليه حزبه في الماضي، فكسب نسبة جيدة من أصواتهم. إنما توجه إلى عموم المواطنين دون عزل نفسه في قالب إيديولوجي محدد، مستخدماً فن الخطابة بأسلوبه الرصين، وحيويته الدائمة في التنقل من منبر إلى آخر، ومن شاشة إلى أخرى، ومن موقع تواصل إجتماعي إلى آخر.

استخدم إمام أوغلو وسائل التواصل الاجتماعي بشكل فاق العادة، وفتح المجال لطرح الأسئلة الشخصية والخاصة عليه، والإيجابة عنها بشكل مباشر ولكن مقتضب، فلا يثير بذلك النعرات أو ردود الفعل، ولا يفهمه أحد بطريقة لم يقصدها. هذا الأمر ساهم في إيحائه للناس عن مدى قربه منهم، وساعده في التواصل مع الفئات الشبابية بشكل خاص.

في انتظار ليل 23 يونيو/حزيران لمعرفة إن كان إمام أوغلو سيكون رئيس بلدية إسطنبول من جديد أم لا، ربح الرجل معركته السياسية مسبقاً، عندما ثبت نفسه كشخصية يمكنها أن تتحول في المستقبل إلى حصان المعارضين لأردوغان. أما نجاحه في هذه المعركة المستقبلية بالتحديد، فلا يزال أمرها مبكرا جدا، على الرغم من اعتراف أردوغان نفسه يوماً بأن “من يحكم إسطنبول يحكم حُكماً تركيا”.

Leave a Reply