تركيا في حقل ألغام أميركي – روسي: تنويع مصادر الدفاع العسكري

جو حمورة

ادف العام 2023 الذكرى المئوية الأولى لتأسيس الجمهورية التركية. يعوّل الأتراك ورئيسهم رجب طيب أردوغان، على أن يكون هذا العام فاتحة لتتخطى بلادهم حجم ودور اللاعب الإقليمي إلى ما هو أبعد من ذلك. يصعب التنبؤ بما سوف تحمله السنوات القادمة من تغييرات في وضع بلادهم، إلا أن الجميع يدري أن طموحات الأتراك تبدو بعيدة المنال، دون أن ينكر أحد أن البلاد في طور النمو السريع، والاستحصال على معظم مستلزمات التقدم والرقي والقوة بين الدول.

سيشهد ذلك العام، كذلك، جردة حساب لبرنامج “تركيا 2023” الذي أطلقه أردوغان عندما كان رئيساً للحكومة عام 2010. يقوم هذا البرنامج على لائحة طويلة من الأهداف الاقتصادية والتنموية والتربوية والعسكرية التي تريد تركيا تحقيقها قبل حلول الذكرى المئوية الأولى على تأسيسها[1]. تسير معظم مشاريع “تركيا 2023” على قدم وساق، باستثناء مشروع واحد يتعلق ببناء قدرة عسكرية دفاعية حقيقية تعطي أنقرة قدرة وتفوقاً عسكرياً في الشرق الأوسط يقيها المخاطر الإقليمية.

كجزء من تحقيق هذه الأهداف، تسعى تركيا للحصول على منظومة صواريخ أرض-جو متطورة جداً، كما على سرب من الطائرات الفائقة القدرة. مشكلة أنقرة أنها تريد كل شيء في الوقت عينه، فتسعى لإمتلاك منظومة دفاعية جوية عبر شراءها من روسيا، وسرب طائرات مقاتلة من أميركا. هذه الجرأة والازدواجية في التعامل مع أقوى دولتين في العالم، تضع تركيا أمام معضلة دائمة: إن اتفاق موسكو وواشنطن يحد من طموحات أنقرة، فيما اختلافهما يدفعها نحو اختيار طرف على حساب الآخر، مع ما يترتب من جراء ذلك من خسائر ومخاطر.

أجواء مستجدة من الحرب الباردة

لا تزال أنقرة تعيش أجواء الحرب الباردة القديمة بين موسكو وواشنطن. في الماضي، انضمت تركيا جهاراً إلى حلف الدول الغربية، وباتت عضواً في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، جاعلة من نفسها قاعدة متقدمة لتمتد أنامل النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط والقوقاز والبلقان. وضعت تركيا أمنها وبعض سيادتها حتى تحت رحمة الولايات المتحدة، فقبلت بنصب صواريخ أميركية موجّهة نحو روسيا يوم أقدمت تلك الأخيرة على الفعل الأمر عينه في كوبا عام 1962.

يُتحسس من التطورات الأخيرة بين الثلاثي الأميركي والروسي والتركي نوعاً مستجداً من الحرب الباردة. فمن أجل امتلاك قدرة دفاعية حقيقية وتعزيز أمنها الذاتي، سعت تركيا، لأكثر من مرة طوال السنوات الماضية، للتواصل مع الولايات المتحدة الأميركية، من أجل الحصول على منظومة صواريخ “باتريوت” وسرب من طائرة F35 المتطورة. لم تلقَ مطالب أنقرة أذاناً صاغية لدى حليفها الأميركي، فلم تحصل على منظومة “باتريوت”، إلا أنها حققت خرقاً في موضوع الطائرات، فعقدت صفقة مع أميركا لتزويدها بمئة طائرة F35. دفعت تركيا من خزينتها الخاصة كلفة بناء تلك الطائرات، واستلمت، حتى اليوم، أربعة طائرات منها فقط، كما تكلفت على تدريب مئات التقنيين والمقاتلين استعداداً لوضع الطائرات في الخدمة[2].

على المقلب الآخر، لم يعنِ إغلاق أبواب واشنطن أمام أنقرة وقوف هذه الأخيرة بموقف المتفرج، بل ذهبت باتجاه آخر عبر التواصل مع موسكو منذ نهاية العام 2016، وعقدها لصفقة معها عام 2017 تنتهي بتزويد تركيا بمنظومة S-400 الدفاعية بحلول صيف العام الحالي[3]. لم ترق هذه الجرأة التركية للولايات المتحدة الأميركية، فبحثت عن أداة ضغط على حليفتها القديمة.

ضغط أميركي على تركيا

بدأت الأزمة الأخيرة بين الولايات المتحدة وتركيا منذ سنة على الأقل. لا تحبذ واشنطن كثرة تواصل أنقرة مع موسكو، تماماً كما لا تستسيغ الاتفاقات الميدانية بين الطرفين في سوريا لتحييد هذه المدينة أو الهجوم على تلك. كذلك الأمر، لا تجد واشنطن أي مصلحة في توجه أنقرة نحو موسكو وجعلها بديلاً عنها في ميدان الأمن والدفاع العسكري. لذلك، قررت أميركا لجم تركيا مرة أخرى، ليس في التصريحات أو عبر دعم أكراد سوريا وحسب، إنما عبر التلويح الجدي بإمكانية إلغاء صفقة المئة طائرة F35 في حال استمرت تركيا في سعيها لإمتلاك منظومة S-400 للدفاع الجوي من روسيا[4].

هذا في ميزان القوة العسكرية والإرادة السياسية، إلا أن لواشطن، كذلك، حججها “اللوجستية” و”القانونية” الدائمة. ترى الولايات المتحدة الأميركية أن وضع منظومة صواريخ S-400 في متناول تركيا حيث تحلق طائرات الـF35 يُلحق ضرراً بحلف الناتو كما بمصالح الولايات المتحدة ذاتها. ترى واشنطن أن المنظومة الصاروخية الروسية يمكنها التنصت على الطائرات ودراسة كيفية حركتهم، كما تشكيل خطر على حلف الناتو وجهوزيته العسكرية[5].  كذلك الأمر، ومن أجل الضغط عليها، تهدد والولايات المتحدة بوقف صفقة طائرات F35 بالإستناد على قانون “مكافحة أعداء أميركا من خلال العقوبات” (CAATSA) الصادر عام 2017، والذي يسمح للكونغرس الأميركي بوقف أي صفقة تسليحية لأي دولة في العالم في حال مخالفتها لمتطلبات العقوبات الأميركية على دول أخرى فرضت عليها عقوبات مسبقة[6].

أمام هذا الواقع الذي يُذكرها بزمن الحرب الباردة، لا تزال تركيا، إلى الآن، تسير آمنة بين ألغام السياسة الخارجية المعقدة بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا. فيما تعتبر، على لسان كافة مسؤوليها، أن صفقة المنظومة الدفاعية الجوية مع روسيا قد باتت أمرا واقعاً لا تراجع عنه، ولا شيئاً سيمنعها من تعزيز قدراتها العسكرية حتى ولو اضطرها الأمر إلى التباحث مع أي كان لتحقيق الأمن الدفاعي التي تريده[7].

مخاطر استعداء أميركا

للتقرب من روسيا مخاطر حقيقية قد تدفع تركيا ثمنها. لا تزال نتائج تغريدة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في 10 آب 2018 ماثلة في أذهان الأتراك. في ذلك اليوم، بدا الاقتصاد التركي كثير الهشاشة عندما تراجعت العملة في الأسواق المحلية بسبب تغريدة أعلنت زيادة الرسوم الجمركية على الواردات التركية من الحديد الصلب والألومنيوم[8].

لقد تراجعت قيمة العملة التركية أمام الدولار بحدود الثلاثين بالمئة في العام الماضي وعشرة بالمئة في العام الحالي[9]. إن أزمة إضافية مع الولايات المتحدة الأميركية لا تبدو في صالح أنقرة البتة، كما لا يبدو اقتصادها على قدر كبير من القوة للوقوف في وجه أي استعداء لأقوى دولة في العالم. لذلك، مثلاً، تُغضب أنقرة واشنطن في موضوع صفقة S-400، لكنها تعود، في المقابل، للانحناء أمام المطالب الأميركية، فتعلق استيراد كل مشتقات النفط من إيران ابتداءً من شهر أيار من العام الحالي[10].

على هذا المنوال، تتأنى أنقرة في سياساتها الخارجية، فتحرص على عدم إغضاب روسيا في الموضوع السوري، أو أميركا في الموضوع الإيراني. لكنها تستمر في إصرارها على تحقيق أمنها الذاتي وامتلاك منظومة دفاعية متطورة تعطيها قدرة على ترجمة قوتها السياسية في الإقليم بالوسائل العسكرية.

من مخاطر التقرب من روسيا كذلك وقف صفقة طائرات F35 التي اشترتها تركيا. إلا أن ذلك لا يشكل نقطة سلبية للجانب التركي فقط، إنما للجانب الأميركي أيضاً. وذلك لأن هذا الأخير سوف يضطر لإعادة الأموال التي دفعتها أنقرة لقاء بناء تلك الطائرات، كما تحمّل الخسائر المادية نتيجة توقف تصدير اللوازم اللوجستية وقطع التبديل والأسلحة إلى “الزبون” التركي.

لا تبدو تركيا حائرة أمام المأزق الاستراتيجي التي وضعت نفسها به، بقدر ما تبدو ذي ميل واضح للحصول على استقلالية من روسيا وأميركا على حد سواء في المجال العسكري والسياسي والخارجي. إن سعي أنقرة، في نهاية المطاف، يهدف إلى تحقيق أمن ذاتي دون حصرية الاتكال على قوة عظمى دون أخرى، بل التحرر منها عبر التعاون معها كلها تبعاً لمصلحة الأمن القومي التركي أولاً.

قد يبدو الطموح التركي كبيراً، إلا أنه، إلى الآن على الأقل، لم يجر البلاد إلى أزمة عميقة لا حلاً دبلوماسياً لها.

جو حمورة، تركيا في حقل ألغام أميركي – روسي: تنويع مصادر الدفاع العسكري، معهد الشرق الأوسط للدراسات والأبحاث الاستراتيجية، 10 حزيران 2019.

Leave a Reply