تضخم قطاع الموارد الطبيعية التركي: البيئة والعمال ضحايا الأمن القومي

جو حمورة

لم تعطِ الطبيعة الكثير من مواردها النفطية لتركيا. في تلك البلاد، لا نفط أو غاز إلا في بضعة حقول قليلة العدد والإنتاجية. في مقابل ذلك “البخل”، عوّضت الطبيعة تركيا بالكثير من الموارد الأخرى: حقول الذهب والفحم والنحاس والحديد والفضة كثيرة الوجود فيها. وكانت قد شهدت، خلال السنوات القليلة الماضية، فورة في الاكتشافات الجديدة وسرعة في الإستخراج، وبالتالي تضاعفاً في المردود المالي.

تحوّلت البلاد إلى مصدِّر أساسي للموارد الطبيعية على الصعيد العالمي، كما فتحت، في السنوات التي خلت، أسواقها للاستثمارات الأجنبية المتعلقة بقطاع التنقيب عن الموارد الطبيعية واستخراجها. أولت الدولة اهتماماً استثنائياً بهذا القطاع، وجعلت المساس به بمثابة المسّ بالأمن القومي. كان للأمر هذا مفاعيل لا يستهان بها: زادت نسبة أرباح تركيا من هذا القطاع، كما خلقت وظائف جديدة لسكانها. أُقرّت قوانين جديدة لتحفيز المستثمرين حيناً، وأُخذت إجراءات وأُقرّت تعديلات قانونية خففت من نشاطهم أحياناً أخرى. إلا أن السلطة حافظت على رغبتها بخصخصة قطاع التنقيب واستخراج الموارد الطبيعية بشكل دائم. مفاعيل سلبية أخرى رافقت تضخم هذا القطاع، كدفع البيئة وعمال المناجم ثمناً باهظاً مقابل زيادة أرباح الدولة وجشع الشركات المستثمرة.

تطور بطيء في استخراج الموارد الطبيعية

بالمقارنة مع الدول والأمبراطوريات الأخرى، تأخرت السلطنة العثمانية في عملية استكشاف واستخراج معظم أنواع الموارد الطبيعية. وحتى عام 1829، لم تكن السلطنة تهتمّ بأكثر من الحصول على نسبة كبيرة من عائدات مناجم الفضة والحديد المشادة على أرضها، والمدارة بشكل أساسي من قبل الأقلية اليهودية1. قبل ذلك التاريخ، لم تشهد السلطنة ثورة أو حتى تحسناً ملحوظاً في هذا القطاع، وذلك إلى حين حلول عام 1858، تاريخ إكتشاف كميات ضخمة من مناجم الفحم. ترافقت هذه الاكتشافات مع وضع تشريع قانوني يحدد نسبة توزيع الأرباح بين الدولة والشركات، بالإضافة إلى قيمة التعويضات المقدمة لأصحاب الأراضي مقابل التنازل عن ملكياتهم2.

أثبتت كلّ من الحربين العالميتين أهمية الموارد الطبيعية لتأمين أدوات قوة الدول واستمرار تفوّقها العسكري. بسبب الحرب العالمية الأولى، تراجعت عملية استخراج الموارد الطبيعية في تركيا بسبب خسارتها الحرب، لكنها سرعان ما أثبتت نفسها في هذا المجال إبان الحرب العالمية الثانية، حين راحت تلعب دور المموّل للدول المتقاتلة. أنقذت الموارد الطبيعية البلاد من خطر الدخول في تلك الحرب وتجرّع كأس الدمار المهول الذي نتج عنها، بعدما جعلت من نفسها حاجة للآخرين وراحت تبيع الموارد الطبيعية، وخاصة مادة الكروم (Chromite) الضرورية لصناعة الآليات العسكرية لكل من ألمانيا النازية وبريطانيا3.

بعدما أنقذتها الموارد الطبيعية، حافظت الدولة على استمرارية العمل في استخراج المزيد منها. لكن تركيا ركزت، منذ خمسينيات القرن الماضي، على تنويع تلك الموارد بشكل أساسي، وليس على زيادة الكميات بشكل ضخم. كما أحدثت بعض التغييرات الطفيفة في قطاع التنقيب واستخراج الموارد الطبيعية منذ الثمانينيات، وذلك عبر فتح سوقها أمام الاستثمارات الأجنبية. لم تفلح هذه الخصخصة في إحداث أي تغيير حقيقي في هذا القطاع، والذي سوف يتأخر حدوثه إلى حدود عام 2004 والأعوام التي تلته. طوال تلك الفترة، لعبت السلطة الحاكمة دوراً ريادياً في استغلال الموارد الطبيعية بشكل ضخم، بعدما وضعته من ضمن أولوياتها الاقتصادية لتنمية البلاد وزيادة إنتاجها وأرباحها.

إزدهار قطاع التنقيب واستخراج الموارد الطبيعية

تضمّ الأرض التركية اليوم 72 نوعاً من أصل 90 مادة من الموارد الطبيعية التي تتم التجارة بها على مستوى العالم. يُشكل الذهب والنحاس والفحم أهم تلك الموارد، والتي يُصدَّر قسم لا بأس به منها إلى الخارج. لقد تضاعف قطاع التنقيب واستخراج الموارد الطبيعية في السنوات الأخيرة بشكل كبير عندما خصخصته الدولة، وسهلت دخول الشركات الأجنبية للإستثمار فيه. تشكل حصة القطاع الخاص اليوم حوالي 85% منه، فيما تحتفظ الدولة بالباقي4.

على الرغم من الخصخصة، إلا أن الدولة لا تزال صاحبة السيادة في تحديد شروط التنقيب والاستخراج، وصاحبة الحق الوحيد عبر “المديرية العامة للبحوث المعدنية والتنقيب” في تحديد أي من الأراضي تصنف كمناجم من عدمها، وبالتالي إمكانية العمل فيها. بالإضافة إلى حقها المحفوظ في إعطاء تراخيص العمل في المناجم لشركات معينة، وحجبها عن شركات أخرى تبعاً لشروط العقود أو لسياسة الدولة العليا.

بلغ الناتج المحلي الإجمالي لقطاع استخراج الموارد الطبيعية حوالى 2.6 مليار دولار أميركي في عام 2003، لكنه ارتفع إلى حوالى 12 مليار في عام 2013. هذا الإرتفاع الكبير قابله ارتفاع آخر في تصدير تلك الموارد، فبغلت قيمة ما تم تصديره في عام 2013 حوالى 5 مليارات دولار أميركي، بعدما كان في عام 2003 حوالي 850 مليون دولار فقط. هذا في وقت تسعى الحكومة إلى جعل قيمة الموارد الطبيعية المصدرة عام 2023 بحدود 15 مليار دولار أميركي بحسب وزير الطاقة والموارد الطبيعية السابق تانر يلدز5.

بالإضافة إلى الخصخصة وما خلّفته من حالة جذب للشركات الخاصة والأجنبية، عوامل أخرى أدت إلى تحسّن قطاع التنقيب واستخراج الموارد الطبيعية في السنوات الأخيرة. يشكل تحديث القوانين الذي قامت به تركيا خلال الماضي القريب تلبية لشروط الدخول إلى الاتحاد الأوروبي أحد هذه العوامل. يركز الاتحاد على أن تقوم الدول الساعية للانضمام إليه بتعديل قوانينها الاستثمارية ولبرلة الاقتصاد، وهو الأمر الذي قامت به تركيا بشكل كبير نسبياً، وكان له أثر إيجابي في دخول شركات أجنبية استفادت من اليد العاملة التركية الرخيصة (بالمقارنة مع تلك الأوروبية) للاستثمار في قطاع التنقيب واستخراج الموارد الطبيعية.

عامل آخر يساعد تركيا دوماً في مساعيها الاستثمارية، وهو متعلق بموقعها الجغرافي المميز القريب من روسيا والشرق الأوسط وأوروبا وأفريقيا والبلقان والقوقاز، الأمر الذي يعطيها سهولة في تصدير الموارد الطبيعية الخام أو المصنعة بكلفة قليلة نسبياً. ومن العوامل الأخرى استغلال الدولة والحكومات المتعاقبة لصلاحياتها الواسعة في إعطاء الرخص لتحسين أداء القطاع بشكل عام، وإخراج الشركات الهادفة إلى المضاربة لا إلى العمل من السوق.

قوانين تنظيم قطاع التنقيب واستخراج الموارد الطبيعية وآثاره

شهدت السنوات الممتدة بين العام 2004 والعام الذي تلاه حراكاً مهماً في إجراء تعديلات على القوانين التركية المتعلقة بالإستثمار. في تلك الفترة، كانت العلاقة بين الحكومة التركية والاتحاد الأوروبي في حالة جيدة، وشهدت تقدماً ملحوظاً في مسار انضمام أنقرة إليه. وعليه، شهد العام 2004 صدور القانون رقم 5177 الجديد الذي عدّل بعض مواد قانون التنقيب عن الموارد رقم 3213.

لم يكن هذا التعديل مدروساً بشكل حقيقي، بل يبدو، من خلال نتائجه، أنه كان سريعاً وقليل الدراسة والتفكير بالآثار التي يمكن أن تنتج عنه. كانت تركيا، في تلك المرحلة الزمنية، تكترث بإجراء تعديلات قانونية سريعة وجدّ ليبرالية رغبة في تلبية طموحها الدخول إلى الاتحاد الأوروبي، أكثر من اكتراثها بالنتائج السلبية التي يمكن أن تنتج عن هذه التعديلات.

خفف القانون رقم 5177 الصادر عام 2004 من الإجراءات البيروقراطية المتعلقة بموضوع التنقيب عن الموارد الطبيعية، لكنه جعل من قيمة رخص التنقيب بخسةً للغاية، وسهّل للكثيرين الحصول عليها حتى وإن كانوا غير كفوئين ومن دون خبرة في هذا المجال6. فيما كان أحد أبرز عيوب القانون جعل الفترة الزمنية التي تسمح لحامل الرخصة بعدم مباشرة العمل في الأرض طويلة جداً، وتمتد لسنوات تبعاً لنوع الموارد التي تجيز الرخصة تنقيبها واستخراجها.

أدت السرعة البيروقراطية في إعطاء الرخص إلى تقدم ملحوظ في الإنتاج بعدما بدأت الشركات الأوروبية والكندية بغزو سوق التنقيب التركي. لكن القانون أعطى، في الوقت عينه، الكثير من الطامحين للمضاربة وليس للاستثمار فرصة لإمتلاك رخصة للتنقيب أو الاستخراج في حقل أو منجم ما. بسبب شروط القانون البسيطة، ارتفع عدد الرخص الخاصة بالتنقيب إلى حوالي 45900 رخصة، والتي كانت بمعظمها عائدة لشركات صغيرة ورجال أعمال يهدفون لببيعها إلى شركات أخرى لاحقاً عند طرح أسعار جيدة أمامها.

مع تراجع وتيرة التقدم في المحادثات مع الاتحاد الأوروبي عام 2010، أعادت تركيا التفكير بصيغة أخرى للتشريع القانون المتعلق بالتنقيب واستخراج الموارد الطبيعية. أقرّ البرلمان القانون رقم 5995 الذي عدّل بعض مواد قانون التنقيب عن الموارد رقم 3213. أصلح هذا التعديل القانوني الجديد ما أفسده التعديل السابق، فقصّر من المدة التي تسمح لمن لديه رخصة بالمحافظة عليها من دون إنتاج، كما قصّر من المدة التي يُسمح أن تستغرقها الشركات تحت حجة التنقيب دون إيجاد أي مواد7.

أدى هذا الإصلاح إلى ثلاث نتائج أساسية ارتبطت ببعضها البعض. الأولى تعلّقت بخفض عدد الرخص التي يهدف أصحابها إلى المضاربة وليس العمل، فتراجع عدد رخص التنقيب إلى النصف، بينما لم تعطِ الدولة إلا 84 رخصة من أصل 5577 طلب مقدم عام 2013 مثلاً8. أما الأمر الثاني، فكان إحداث راحة وأمان في هذا القطاع شجعت الشركات الكبرى للعمل في تركيا. فيما كان الأمر الثالث نتيجة ما سبقه، إذ ارتفعت منذ عام 2010 وحتى اليوم أرباح الدولة والشركات، وازداد الانتاج العام العائد من الموارد الطبيعية إلى عدة أضعاف.

لم تكتفِ الدولة بهذه الإصلاحات القانونية، بل أقرت بضعة تعديلات وأخذت إجراءات أخرى لضمان تضخم هذا القطاع، ومنها تنظيمين قانونيين صدرا عام 2017 أقرا بعض الإصلاحات المتعلقة بالسلامة العامة للعاملين في المناجم، وآخر تعلق بالمناقصات للحصول على رخص التنقيب وشؤون مالية متنوعة9.

إن الاهتمام التركي القانوني الكبير بتنظيم التنقيب واستخراج الموارد الطبيعية يظهر أولوية الدولة للاهتمام بهذا القطاع، والسعي إلى زيادة أرباحه وانتاجيته. لكن هذا التضخم الكبير الذي حصل بين العام 2005 واليوم، كانت له سيئات جمّة على موضوعين أساسيين، وهما البيئة والحماية الناقصة للعمال في المناجم.

الفحم كمصدر للطاقة: البيئة ضحية الأمن القومي

تهتم تركيا بشكل بالغ بموضوع استخراج الفحم من أرضها. تريد الدولة أن تخفف من أعباء الموارد النفطية التي تضطر لشرائها من الخارج لتعزيز نموّها الاقتصادي، وتوسيع قدراتها الصناعية والإنتاجية. إن إحدى مشاكل تركيا الأساسية هي عجز ميزانها التجاري الضخم الذي يسببه استيراد الموارد النفطية لإنتاج الطاقة. لذلك، وضعت الحكومات المتعاقبة هدف تنويع مصادر الطاقة نصب عينيها، فتخفف بالتالي من الأعباء المالية الضخمة لإنتاجه، ولا تبقي نفسها تحت رحمة الدول التي تشتري منها الموارد النفطية، وخاصة روسيا وإيران.

تريد الدولة أن توفر 7.2 مليار دولار سنوياً من خلال استخراج الفحم من أرضها واستخدامه لإنتاج الطاقة بدلاً عن الغاز الذي تشتريه من الخارج. إن هذه الخطة سارت، منذ العام 2013، على خطى متسارعة وباتت قريبة من تحقيق الهدف منها، حيث بات الفحم يشكل حوالى 10% من مصادر الطاقة التركية10.

صحيح أن استخدام الفحم لانتاج الطاقة قليل الكلفة الآنية، إلا أنه كثير التسبب بأمراض على المدى المتوسط والطويل، فيما تبرز البيئة كواحدة من أكثر المتضررين من هذا التوجه التركي العام. يعلم سكان مدينتا “أرتفين” و”جيراتيبي” قرب البحر الأسود هذا الأمر أكثر من غيرهم، إذ أنهم تحملوا نتيجة التوجه الحكومي المتزايد لإستخراج الفحم من الأرض لإنتاج الطاقة. أدى العمل في مناجم تلك المدن الغنية بالفحم والذهب والنحاس إلى قطع آلاف الأشجار، كما تلويث مجاري الأنهر والينابيع ومياه الشفة11.

طوال أسابيع من عام 2016، شهدت تلك المناطق مواجهات عدة بين قوات الشرطة والمتظاهرين الرافضين لافتتاح المزيد من المناجم. لم يفلح رفع دعوى قضائية لإيقاف العمل بتلك القائمة أو تلك المنوي افتتاحها في إحداث أي أثر، على الرغم من صدور بضعة قرارات من المحكمة لصالح المعترضين، والتي تشيد بحق الناس بحياة صحية ضمن بيئة متوازنة حسب المادة 56 من الدستور التركي. انتهى الأمر بعد سنة من المواجهات والأخذ والرد مع رفض المحكمة قرارات المحاكم الأخرى في إجبار أصحاب المناجم على التعويض وعدم افتتاح مناجم أخرى، وأعطت، في نهاية الأمر، الحق للشركات بمتابعة العمل في استخراج الفحم والذهب والنحاس من الأرض12. إن استمرار العمل في المناجم وافتتاح غيرها هو أمر أساسي في السياسة التركية الرسمية، وله أهمية قصوى ترقى إلى مستوى الأمن القومي، طالما أن الهدف منه، في نهاية المطاف، تعزيز قدرات الدولة ككل وتقوية اقتصادها، كما تحريرها من الدول الموردة للمواد النفطية.

بين كل فترة وأخرى، يقوم رؤساء الحكومات التركية كما الوزراء المعنيون بإصدار تعاميم داخلية وأوامر إلى الإدارات والفرق المختصة بموضوع التنقيب واستخراج الموارد الطبيعية. تشيد هذه التعاميم والأوامر بعملهم وتدعوهم للإسراع فيه، وزيادة الانتاج من المناجم. إن وزير الطاقة الحالي “بيرات البيرق” هو أحد من أكثر المتحمسين لتقليص اعتماد تركيا على دول الجوار في إنتاج الطاقة، فيقوم، بالتالي، بتأمين قروض ميسرة للمستثمرين في قطاع التنقيب واستخراج الموارد الطبيعية بغرض إنتاج الطاقة، كما بناء المعامل الحرارية القادرة على استخدام الفحم13. إن توجه السلطة التركية واضح جداً في موضوع الطاقة، حيث تضع تنويع مصادره هدفاً أولياً لها، فتكثر العمل في المناجم واستخراج الفحم للتخفيف من الإتكال على دول الجوار، وإن أدى الأمر إلى ضرر في مواضيع أقل أهمية عندها مثل تلوث البيئة وتقليص الحق بحياة صحية.

تعزيز حقوق عمال المناجم بعد الحوادث المميتة

تحافظ الحوادث التي تحدث أثناء العمل على موقع متقدم على لائحة أكثر الأمكنة التي تقع فيها خسائر للأرواح في تركيا. في العام 2015 مثلاً، وقع أكثر من 240 ألف حادث أثناء العمل، وتوفي على أثرها 1252 شخصاً14.

من المؤكد أن هذا الرقم الضخم لا يعود إلى قطاع التنقيب واستخراج الموارد الطبيعية لوحده، إنما لكافة أشكال العمل الصناعي واليدوي في البلاد. لا يعني هذا الأمر أن لهذا قطاع دوراً بسيطاً في تسجيل أرقام مرتفعة في حوادث العمل إنما على العكس من ذلك، خاصة وإن أغلب الحوادث التي تقع في المناجم تكون مميتة.

شهدت تركيا عام 2014 أسوأ حوادث مرتبطة بقطاع التنقيب واستخراج الموارد الطبيعية في تاريخها. ففي 14 أيار/ مايو من ذلك العام، توفي 301 عامل في منجم “سوما” للفحم غرب البلاد، فيما لقي 18 آخرين مصرعم في منجم “ارمنك” بعد أسابيع. أدى هذا الأمر إلى لفت أنظار البلاد نحو قضية المناجم وحقوق العمال وحمياتهم أثناء العمل. ردت السلطات بإقرار ميثاق دولي متعلق بسلامة عمال المناجم، كما قامت بتحسين ظروف العاملين فيها، بالإضافة إلى إحالة مسؤولي المناجم التي شهدت أحداثاً مميتة إلى المحاكمات.

بعد تلك الحوادث، سعت تركيا إلى تحسين شروط العمل في المناجم. هدفت الحكومة إلى امتصاص صدمة الناس والإعلام، كما تشجع الشركات الأجنبية للقدوم للإستثمار أكثر، وهي التي لا تبدي حماساً كبيراً عندما تكون حوادث موت العمال كثيرة التكرار. وعليه، أقر البرلمان ميثاق منظمة العمل الدولية رقم 176 المعني بسلامة عمال المناجم، والذي كانت ترفض أنقرة الموافقة عليه من قبل. ينص هذا الميثاق على بعض الشروط التي يجب أن تتوفر للعمل داخل المناجم وحولها، بالإضافة إلى الإقرار بحقوق العمال وذويهم بالتعويضات عند الموت والإصابة، وتحميل الشركات والحكومات المسؤولية القانونية فيما يتعلق بالسلامة والصحة العامة خلال العمل15.

من ناحية أخرى، شهد عام 2014 والعام الذي أعقبه زيادة حكومية للحدّ الأدنى للأجور لعمال المناجم، كما تخفيضاً للحدّ الأقصى لساعات العمل القانونية. لاقت هذه الإجراءات ارتياحاً لدى العمال، بينما اشتكت العديد من الشركات من هذه الإجراءات، فأغلق عدد قليل منها، فيما صرفت غيرها بعض العمال.

كذلك الأمر، لاحقت الدولة قانونياً مالكي ومدراء المناجم التي وقعت فيها حوادث مميتة. أبدت الحكومة كما السلطة القضائية جدية استثنائية في هذه القضايا، فصدرت أحكام قاسية عام 2018 على خمسة مدراء وتسعة موظفين آخرين، وتراوحت بين 15 و 22 سنة من السجن16.

إن الجدية الاسثنائية التي تعاملت فيها المؤسسات الرسمية مع هذه القضايا تشير إلى وجود أكثر من مجرد رغبة في حماية العمال، بل تتعداها لتشمل حرصاً رسمياً استثنائياً على قطاع التنقيب عن الموارد الطبيعية واستخراجها. إن هذا القطاع هو من الأولويات الحكومية، ويرقى المساس به إلى مصاف المس بالأمن القومي. إن الأرباح المرتفعة الناتجة عن هذا القطاع كما قدرته المستقبلية على تأمين شبه استقلالية لتركيا في مجال إنتاج الطاقة، يجعلان منه قطاعاً تأخذه الدولة على محمل الجد، ويدفعها نحو عمل كل ما يضطره الأمر للمحافظة على استمراره وتضخمه، حتى وإن دفع ثمن هذا الاستمرار والتضخم بعض العمال والشركات أو حتى البيئة.

جو حمورة، تضخم قطاع الموارد الطبيعية التركي: البيئة والعمال ضحايا الأمن القومي، المفكرة القانونية، 11 حزيران 2019.

 

Leave a Reply