تطور أنظمة التعليم التركية: أدلجة التعليم، الإملاءات الغربية وحقوق المرأة

جو حمورة

يكتسب أي نظام تعليمي أهميته في النتائج التي يفضي إليها. فعدا كونه من أهم القطاعات التي تضع الدول سياسات محددة لها، تظهر أهمية هذا القطاع الكبيرة في عدد الناس الضخم الذين يتأثرون به، والذين يتحولون، بعد الدراسة لعدة سنوات، إلى جيل البلاد الجديد، والمدماك الذي تقوم عليه هوية وثقافة واقتصاد أي مجتمع.

في دولة مثل تركيا، يضاف إلى ما تقدّم بعدان آخران: الأول هو السياسات الحكومية القديمة والحديثة التي رضخت لشروط ومعايير الغرب في توجيه القطاع التعليمي في هذا الاتجاه أو ذلك، فيما الثاني هو تأثيرات مضمون النظام التعليمي الشديد الوضوح على الجيل الحالي.

إن النظام التعليمي كالنبت والثمر؛ ما يُزرع منه يُحصد. زرعت كل من السلطنة العثمانية والجمهورية العلمانية والحكم الحالي على حدة، فحصدت كل منها جيلاً مختلفاً في الهوية والثقافة والأفكار. تأثر النظام التعليمي في عهد السلطنة بالبُعد الديني وبعض المحاولات المتأخرة لتقليد أوروبا، في حين اختار الحكم العلماني السابق التغريب الكامل، بينما خطّ الحزب الحكام سياسات توائم بين الإملاءات الأوروبية والمضمون الديني والقومي المحافظ. حصد الأول صراعاً بين القديم والحديث، فيما حصد الثاني جيلاً علمانياً وقومياً كثير التعصب ونظاماً محلقاً بالغرب، أما الثالث، فبدأ بحصاد ما زرعه عبر ظهور جيل جديد كثير التديّن، واستقطاباً كبيراً بين مختلف التوجهات الإيديولوجية والسياسية في المجتمع التركي.

محاولات متأخرة لتقليد أوروبا

منذ بزوغ فجر السلطنة العثمانية، كان التعليم ركيزة أساسية في المجتمع. لم يكن التعليم إلزامياً أو منظماً كما هو اليوم في معظم المجتمعات المتقدمة، إلا أنه تحلّى بمكانة مرموقة في أوائل عصور السلطنة. كان التعليم من مهام بعض رجال الدين والصوفيين، أو الأساتذة الذين يتشربون تلك المهنة من أبائهم أو كبار رجال القرى، فيما المتلقون هم، بالغالب، أبناء الأسر الحاكمة والميسورة، ورواد التكايا الصوفية. وحتى قبل القرن الثامن عشر، كان التعليم والعلماء في السلطنة العثمانية يضاهون الأوروبيين. إلا أن هذا القرن بالذات شهد وثبة أوروبية مهولة في قطاع التعليم كنتيجة مباشرة لعصر الأنوار والثورة الفرنسية والحركات الشعبية المعادية للمؤسسات الدينية، فراحت أوروبا تقطف ثمار ثورتها بتقدم العلوم والتعليم والفن والفلسفة وغيرها.

في تلك الفترة بالذات، تراجع مستوى التعليم في السلطنة العثمانية نتيجة مشاكلها الداخلية واضطراباتها الخاصة من ناحية، كما نتيجة تقدم وسطوة دول الغرب عليها من ناحية أخرى. كما تحوّلت المدن الأوروبية كباريس ولندن وفيينا إلى مقصد للمواطنين العثمانيين الباحثين عن تعليم مرموق. تشرّب هؤلاء بعضاً من الثقافة الأوروبية خلال الدراسة في الغرب، وعادوا إلى سلطنتهم محملين بالأفكار الجديدة، وهي الأفكار التي تنادي بالفردية وحقوق المرأة والتحرر والقومية، والتي تختلف جذرياً عن تلك التي كانت سائدة في سلطنتهم التي تركوها وعادوا إليها.
شهدت العهود الأخيرة من حياة السلطنة العثمانية ميلان أساسيّان متعلقان بقطاع التعليم والقطاعات المرتبطة به. الأول رسمي متزمت يسعى إلى تعزيز مكانة الشؤون الدينية وممارساته، والثاني أقل قوة وقائم على تعزيز تعليم العلوم الوضعية البعيدة عن الدين ومفرداته وفلسفته. تحوّل قطاع التعليم العثماني إلى عربة يجرها حصانان كل في اتجاه، واحد يريد تعزيز مكانة التعليم الديني على اعتبار أن الدين هو العنصر الأخير الذي يجمع بين سكان السلطنة، وآخر يسعى إلى نقل التجربة الأوروبية وتحرير القوة الكامنة في الأفراد وتعزيز دور المرأة في المجتمع.

في تلك العهود مثلاً، ازدادت أعداد المدارس الدينية في السلطنة العثمانية بشكل كبير. كما بات لرجال الدين نفوذ متزايد في الإدارة وشؤون التعليم. كذلك الأمر، أسست الدولة، منذ العام 1848، معاهد متخصصة لتعليم الأساتذة وتدريبهم على أساليب التعليم عملاً بالتجارب الأوروبية، والتي وصل عددها إلى 21 معهداً عام 1914 في حدود أراضي السلطنة التركية. كما تم، عام 1869، تعديل قانون “المعارف العمومية النظامية” ليسمح بإنشاء معاهد تعليمية خاصة بالنساء، فيما حدد تعديل جديد عام 1874 عدد السنوات الدراسية بإثنين للصفوف الإبتدائية، وثلاثة للمتوسطة وثلاثة للثانوية1.

لعبت النساء في تلك الفترة دوراً أساسياً وغير معهود في قطاع التعليم والصحافة. باتت الميسورات منهنّ يذهبنّ إلى أوروبا للدراسة، وأخريات من سكان المدن يدخلنّ المدارس المحلية ابتداءً من العام 1842. أما في الصحافة مثلاً، وهي التي كانت مرتبطة بقطاع التعليم بشكل حقيقي في تلك العهود، فبرزت كثيرات من النساء أسّسن صحفاً ودوريات معنية بهنّ وصل عددها إلى 13 بين 1869-1900، فيما راحت أخريات ينشرنّ المقالات في جرائد السلطنة وإن أحياناً بأسماء مستعارة. أما مواضيعها، فركزت بمعضمها على تحرر المرأة وحقها بالتعليم والعمل، وإلغاء تعدد الزوجات، والاقتداء بالتجارب الأوروبية الاجتماعية، وأساليب التربية الحديثة2.

مع تقدم الوقت، بات في السلطنة العثمانية نخبتان: واحدة حكومية تميل إلى تعزيز الرجعية الدينية وأخرى تميل إلى تقليد أوروبا. لم يكن من الممكن العودة إلى ما قبل تلك الفترة أو هذا الصراع المحسوس بين الإثنين كونه قد خلق ديناميته الخاصة3، فكانت أن أتت الحرب العالمية الأولى وقضت على الخلافة والسلطنة، مفسحةً المجال أمام الحكم الجديد لبناء جمهورية جديدة تُصلح القطاع التعليمي وتوجهه باتجاه جديد كلياً.

نظام “ديوي” والإقتداء بالغرب

لعب “جون ديوي” دوراً محورياً في وضع اللبنات الأساسية للنظام التعليمي التركي منذ عشرينيات القرن الماضي. فقد دُعي إلى تركيا، عام 1924، هذا المفكر التربوي الأميركي ليعطي رأيه بالإصلاحات الواجب اتخاذها لتحسين القطاع التعليمي التركي. بعد لقائه رئيس الجمهورية الناشئة مصطفى كمال، وجولات ميدانية في المدارس والمعاهد ودور التربية طوال شهرين، أعطى “ديوي” رأيه بتقرير رسمي أرسله إلى السلطات المعنية.

أكدت مقترحات “ديوي” على أهمية التخلص من أساليب التلقين القديمة في التعليم واستبدالها بأساليب أكثر ديمقراطية وسلاسة، وتنويع المصادر العلمية خلال التعليم، كما تحسين ثقافة الأساتذة، والرفع من شأنهم في السلم الاجتماعي عبر زيادة بدلاتهم المالية وعدم تبديل مكان عملهم الجغرافي إلا لأسباب ملحة. دعا “ديوي” الدولة التركية، كذلك، إلى تحويل المدرسة إلى مكان يستطيع التلميذ عيش حياة اجتماعية، والتخلص من تعليم العقائد المعقدة واستبدالها بأمور تهمّ الطلاب في حياتهم العامة والمستقبلية. كما اقترح إلغاء مركزية التعليم للتخلص من التعقيدات البيرقراطية، وإخضاع التلاميذ للباس موحّد، وإنشاء جهاز خاص بالسلامة والنظافة، إلخ4.

بعد استلامها التقرير بأسابيع قليلة، تم إدخال كافة المقترحات على قانون “توحيد التعليم” التركي (3 آذار/مارس 1924)، باستثناء موضوع إلغاء مركزية قطاع التعليم. تحولت مقترحات “جون ديوي” إلى قوانين وراحت الدولة ووزارة التعليم تطبقها من دون دراسة شاملة أو خاصة لظروف مجتمعها الذاتية، إنما عبر نقل ما اقترحه “ديوي” من تجاربه الأميركية الأخرى.

تكفّل مصطفى كمال الرفع من شأن الأساتذة وأهمية التعليم خلال الكثير من خطاباته. فباتوا بعد العام 1924 “الوحيدين الذين يخلصون الأمة”5، وهم “كالشموع التي تحرق نفسها لتنير الطريق للآخرين”6، ومئات العبارات المشابهة في عشرات الخطابات العلنية الأخرى التي ترفع من شأن الأساتذة. أما الدولة ووزارة التعليم فقد تكفلت بالباقي عبر تحسين التعليم ومضمونه وبدلات الأساتذة والسلامة الصحية…
وحده اقتراح “ديوي” القاضي بإلغاء مركزية التعليم سقط من حسابات الجمهورية التركية. لقد قامت الجمهورية على أساس جد مركزي بشكل أساسي، فلم ترد أن تشذّ عن هذا التنظيم خوفاً من فقدان السلطات أو توزعها على الآخرين، أو ربما خوفاً من تكرار تجربة السلطنة العثمانية التي نشأ فيها، بسبب الأنظمة التعليمية، تياران يشدّان عربة البلاد كلّا لناحيته.

أدخلت السلطات التركيّة على نظام التعليم بعض الأمور التي لم يذكرها “ديوي” في تقريره. فقد جعلت من النظام التعليمي والمدارس أداة في يد السلطة من أجل بثّ أفكارها وإيديولوجيتها. تخلت المدارس، منذ العشرينيات، عن التعليم الديني وإيديولوجيتها واستبدلته بتعليم عن العلمانية وإيديولوجيتها، كما حب العسكر وتقديس الوطن والتطلع إلى الغرب كأكثر الشعوب حضارة. فكوّن الجيل الناشئ مجتمعاً أعطى المزيد من الشرعية للنظام السياسي القائم، وجعل من توجهه غرباً، في الثقافة والسياسة والاقتصاد، هدفاً مرغوباً لدى الناس. كما رفض النظام التعليمي التطرق لنجاحات السلطنة العثمانية في مواد التاريخ أو ذكر “الإبادة الأرمنية” إلا من منظار تبريري، من دون أن ينسى التركيز على اللغة التركية الجديدة دون غيرها، فتحوّل الأتراك إلى واحد من أكثر الشعوب التي لا يعرف معظمهم إلا لغة واحدة، وذلك تأكيداً على أهمية اللغة كركيزة لقومية الجمهورية التركية الجديدة. بالإضافة إلى قلة التركيز، في مواد الجغرافيا، على أمور لا تخص تركيا وصراعاتها الحدودية مع اليونان وقبرص والعراق وسوريا وبلغاريا، في تجاهل واضح لتدريس حقيقي لتاريخ أو جغرافية دول وقارات أخرى خاصة تلك الشرقية، عملاً بسياسة مصطفى كمال المتوجهة إلى الغرب والناكرة لأصولها الشرقية.

أقلمت تركيا نظامها التعليمي بين ما هو “إداري” وما هو “سياسي”. في الأول طبقت معظم ما قاله “ديوي”، فتحوّل النظام التعليمي إلى أشبه بنظام غربي غير آبه لظروف البلاد المحلية وهوية الشعب التركي وتجاربه الجماعية وخبراته التاريخية. أما في الثاني، فأخذ الحكم يطبق سياساته الإيديولوجية داخل المدارس للحصول على شرعية وشعبية في المراحل اللاحقة ليؤمن استقراره واستمراره. حوّلت المدارس أجيالاً كاملة من الأتراك إلى علمانيين وقوميين مهتمين بذاتهم ومشدودين نحو الغرب ورافضين لتاريخهم العثماني وأي علاقة مع الشرق.
بعيداً عن السلبية، للنظام التعليمي التركي الجديد ثلاثة إيجابيات لا لبس فيها، وهي توسيع التعليم ليشمل أكبر عدد من الأطفال في المدن كما في الأرياف، وتحفيز الفتيات على التعلم والدراسة في مدارس مختلطة بشكل متساوٍ مع الفتيان، وجعل التعليم الرسمي الإبتدائي والمتوسط شبه مجاني منذ العام 19337.

نظام التعليم الإلزامي والتحايل على الاتحاد الأوروبي

منذ العام 1997، أقرت الدولة التركية التعليم الإلزامي لثمانية سنوات لكافة الأطفال، فارتفع بالتالي عدد التلاميذ في المدارس وخفت نسبة الأمية. في ذلك العام، حكم حزب “الرفاه” الإسلامي لسنة واحدة فقط قبل القضاء عليه بانقلاب عسكري. لم يكن بمستطاع الحزب تغيير الكثير في بلاد تحكمها “دولة عميقة” مؤلفة من نخبة علمانية وجنرالات الجيش. فكان أن فرض التعليم الإلزامي هادفاً إلى جعل المدارس الرسمية مزدحمة، الأمر الذي يبرر له، من بعدها، شرعنة مدارس “إمام-خطيب” الإسلامية وزيادة أعدادها وتعزيز تمويلها الحكومي.

مع وصول حزب “العدالة والتنمية” إلى الحكم عام 2002، بات للقوى المحافِظة كلمة ورفعة، فانتهجت سياستين عامتين أثرتا على قطاع التعليم في تركيا. كانت الأولى هي الانفتاح على الإتحاد الأوروبي والالتزام بتطبيق بعض شروطه على أمل قبول عضويتها فيها، ومنها شروط تتعلق بالنظام التربوي، فيما الثانية هي إدخال دروس الدين إلى المدارس الرسمية وهو الأمر الذي تم في الفترة الممتدة بين العام 2011 بشكل أساسي وحتى اليوم.

فعلى الدول الراغبة بالإنضمام إلى الاتحاد الأوروبي تنفيذ شروط معيّنة تُعرف بمعايير كوبنهغن عبر تنفيذ إصلاحات تطال كل إداراتها وسياساتها التربوية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية والدستورية، إلخ. واحدة من هذه المعايير تتعلق بالنظام التربوي، والذي فُرض على تركيا إجراء بعض الإصلاحات فيه، مثل الإبقاء على التعليم الرسمي خالياً من المواد الدينية، كما إجراء إصلاح أساسي بتغيير تصنيف الصفوف بين ما هو ابتدائي وما هو متوسط وثانوي، وجعل التعليم الإلزامي يمتد على 12 سنة بدلاً من 8. لبّت تركيا الرغبة الأوروبية، فأطالت أمد التعليم الإلزامي عبر النظام المعروف بـ4+4+4، فجعلت التعليم الإلزامي يمتد على 12 سنة (4 سنوات في الإبتدائي، و4 في المتوسط، و4 في الثانوي) بعد تعديل “قانون التعليم الابتدائي وقوانين أخرى” في شباط 2012، وذلك ليتماشى مع شروط ومعايير الدخول إلى الاتحاد الأوروبي8.

إلا أن الحنكة التركية استخدمت جعل التعليم الإلزامي ل 12 سنة بطريقة احتيالية، من خلال تقسيمه إلى ثلاثة مراحل. تبعا لذلك، بات من أنهى تعليمه الإبتدائي الممتد على أربعة سنوات في مدرسة رسمية يستطيع المغادرة إلى مدارس “إمام-خطيب” الدينية أو مدارس أخرى لإكمال تعليمه المتوسط. فتكون تركيا، بالتالي، قد نفذت الشرط الأوروبي بجعل التعليم الإلزامي 12 سنة وعدم تعليم الدين في المدارس الرسمية، إلا أنها تحايلت على النظام عبر تقسيم سنوات التعليم الإلزامية على ثلاث مراحل، فسمحت للراغبين بتلقي العلوم الدينية في المدارس المغادرة إليها بعد الانتهاء من دراستهم الابتدائية.

في الوقت عينه، تم تعزيز مكانة مدارس “إمام-خطيب” الدينية في تركيا، فارتفع عددها من 537 مدرسة عام 2012 إلى 1485 مدرسة عام 2017، وباتت تضم أكثر من نصف مليون تلميذ يتعلمون العلوم الوضعية كما العلوم الدينية في نفس الوقت9.

مع تعثر مفاوضات انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي بين عامي 2009 والعام الذي تلاه، باتت أنقرة أكثر تحرراً في إدارة شؤونها الداخلية بعيداً عن الاملاءات والشروط الأوروبية. لذلك، قامت في تلك الفترة بتطبيق الكثير من التعديلات القانونية وانتهاج سياسات اجتماعية محافظة، ومنها إدخال التعليم الديني إلى المدارس الرسمية وذلك، بشكل أساسي، بعد العام 2011.

دور المرأة في الدراسة وسوق العمل

يقدم النظام التعليمي التركي فرصاً متساوية للفتيات والفتيان من حيث المبدأ، إلا أن عوامل اجتماعية و دينية خارجية أخرى تؤثر على دور المرأة والمساواة بينها وبين الرجل. في الكثير من الحالات، وخاصة في شرق تركيا، تواجه الفتيات أنواعاً غريبة من التمييز. واحدة منها تتعلق بثقافة وهوية الأساتذة “الذين لا ينظرون إلى الفتيات أو يتعمدون عدم الإجابة على أسئلتهنّ لأسباب دينية”، فيما يلعب “الهدف المحدد سلفاً للمرأة من قِبل العائلة” دوراً في خروج الفتيات باكراً من المدارس لغرض العمل في المنزل ومساعدة العائلة أو للزواج10.

ترى الباحثة “فيرديفس جين” في كتابها “العدالة الجندرية: التعليم والمساواة” أن التعليم يلعب دوراً كبيراً في ردم هوة عدم المساواة بين الجنسين… إلا أن الأمر غير مرتبط حصراً بنظام التعليم كما هو الحال في تركيا، إنما يتعلق بثقافة المجتمع بذاته وتأثيرات الدين والتقاليد التي غالباً ما تحدد مسبقاً أدوار كل من الرجل والمرأة”11.

ففي دراسة ميدانية أجرتها كل من “أجار وأياتا” حول التمييز في مدارس “إمام-خطيب”، خلصت كل من الباحثتين إلى الأمور الآتية: “يُشجع الأساتذة في تلك المدارس تلاميذهم على اختيار وظائف تبعاً لفطرتهم ولجنسهم… يتم تشجيع الطالبات مثلاً على القيام بوظائف تتوافق مع طبيعتهنّ الجنسية، عبر التركيز على عدم وضع أجسادهنّ تحت الضغط البدني، كما عبر اختيار وظائف يكون التفاعل فيها مع الرجال قليلاً، أو يقدمنّ فيها الخدمات للنساء حصراً”12. لا يتعلق الأمر بنظام تعليمي يسمح للفتيات والفتيان بحقوق متساوية في مجال التعليم، إنما بما هو أبعد من ذلك وأكثر عمقاً وارتباطاً بثقافة المجتمع ككل.

تبلغ نسبة الأمية الإجمالية في تركيا، بحسب “هيئة الاحصاء التركية”، 5.6%، موزعة بين 9.2 للنساء، و1.8 للرجال13، فيما احصاءات المشاركة في قطاع العمل فتظهر فرقاً كبيراً بين الرجال والنساء. فبحسب إحصاء آخر للهيئة الرسمية، فإن معدل العمالة بين النساء فوق سن 15 قد بلغ 28% بينما هو 65.1% للرجال14.

تبرّر وزارات العمل التركية وبعض الجمعيات سيطرة الرجال شبه المطلقة على بعض القطاعات في سوق العمل، وذلك عبر الإشارة إلى العامل الجسدي، فتعتبر، مثلاً، سيطرة الرجال على العمل في قطاع التنقيب واستخراج والبحث عن الفحم الحجري في البلاد وبعض القطاعات الأخرى أمراً طبيعياً. إلا أن غيرها، من تلك القطاعات التي شهدت مساواة في العمل بين الرجال والنساء في الكثير من الدول الأخرى، لا تزال تركيا بعيدة جداً عن تحقيق مساواة حقيقية بين الجنسين. ففي قطاع التعليم الجامعي مثلاً لا تشكل النساء أكثر من 38% من عدد الأكاديميين الأتراك. كما لا تحتل النساء سوى 9.1% من مناصب رؤساء الجامعات، و21.3% فقط من عدد العمداء15.

إن نظرة سريعة إلى القطاع التعليمي التركي في الماضي والحاضر تفيد بوجود ثابتتين: الأولى تتعلق بتنفيذ الشروط الأوروبية في الأنظمة التعليمية، أكان في بداية عهد الجمهورية التي أخذت بتقرير “جون ديوي” أو في العهود الحالية التي نُفذت فيها الشروط الأوروبية. أما الثانية فهي استغلال القطاع التعليمي لغايات إيديولوجية وسياسية. في عهد مصطفى كمال، تم استخدام المدارس من أجل أدلجة جيل تركيا الجديد وجعله أكثر تقبلاً لهوية النظام السياسي وتوجهاته العلمانية والغربية، فيما تم عكس ذلك تماماً في الزمن الحاضر، عبر استخدام المدارس من أجل بث الأفكار الدينية. إن هذا الأمر الأخير يحيّد المدارس عن وظيفتها الأساسية، ويجعلها أداة في الطموحات السلطوية، ما يؤثر على المجتمع بشكل عام، وهو تأثير بدأت تركيا بتلمسه، عبر ازدياد نسبة التديّن في المجتمع وتراجع دور المرأة ومساواتها مع الرجل.

جو حمورة، تطور أنظمة التعليم التركية: أدلجة التعليم، الإملاءات الغربية وحقوق المرأة، المفكرة القانونية، لبنان، 5 حزيران 2019.

Leave a Reply