إعادة انتخابات بلدية إسطنبول: قوة وضعف المرشحين ورمزية المدينة

جو حمورة

الحاكم رجب طيب أردوغان قد أدلى بدلوه في تلك القضية معتبراً، في أكثر من مناسبة، أنه على ثقة  كبيرة بحدوث تلاعب منظّم، وفقدان للشرعية ومخالفات في الانتخابات المحلية[1]. كما وضع “اللجنة” أمام ضغوطات معنوية ساهمت، ربما، في القرار الذي اتخذته في السادس من أيار الحالي، والذي علق فوز مرشح المعارضة أكرم إمام أوغلو، وأقر إعادة الانتخابات في الثالث والعشرين من حزيران المقبل.

أدى الخلاف على نتائج عاصمة تركيا الاقتصادية والديمغرافية إلى إحداث المزيد من الاستقطاب في الشارع التركي، كما أفرز شعوراً إضافياً بعدم الثقة لحال الحريات والديمقراطية في البلاد. ولأن الهزيمة في إسطنبول باهضة الثمن على الحزب الحاكم، تماماً كما هو حال فوز المعارضة فيها لأول مرة منذ عقود، من المتوقع أن تكون الجولة الثانية من الانتخابات أكثر ضراوة من سابقتها. فكيف يتحضر كل من مرشح المعارضة الفائز وخصمه المهزوم، وما هي أهمية بلدية اسطنبول ورمزيتها بالنسبة للقوى السياسية في تركيا؟

أكرم إمام أوغلو.. السياسي النشيط والشعبي

بعد إعلان فوزه بفارق حوالى 13 ألف صوت فقط في مدينة يقترع فيها بضعة ملايين، سارع أكرم إمام أوغلو إلى تنفيذ سلسلة من القرارات الشعبية فور تنصيبه في رئاسة البلدية. هدف مرشح المعارضة إلى تعزيز مكانته وتحفز الناخبين الأتراك لإعادة التصويت له خلال جولة إعادة الإنتخابات، دون أن يشذ عن وعوده التي أطلقها خلال المعركة الإنتخابية، والتي تركزت في معظمها على تسهيل حياة سكان مدينته وتخفيض الضرائب عن كاهلهم.

يملك إمام أوغلو بعض المميزات الشخصية التي أعطته إمكانية التنافس والفوز على مرشح الحزب الحاكم، ومنها، خاصة، عمره الشاب وحيويته كسياسي، بالإضافة إلى عمله السابق في مجال إدارة نوادي كرة القدم الكثيرة الأهمية والشهرة في تركيا. كما إلى خبرته في العمل البلدي بعد ترأسه منذ العام 2014 لبلدية “بيليك دوزو” في إحدى ضواحي إسطنبول. أما أبرز مميزات السياسي المغمور هو تكتل معظم أحزاب المعارضة حوله، والعمل على إيصاله إلى سدة رئاسة أكبر بلدية تركية في وجه الحزب الحاكم، وذلك لإنتفاء أي إمكانية أخرى أمامهم لمواجهة الواقع التركي في الوقت الراهن.

ما أن وصل إمام أوغلو إلى رئاسة بلدية إسطنبول حتى قام بتخفيض أسعار خدمات المياه على سكان مدينته بنسبة 40 بالمئة، كما خفّض تعرفة أجور المواصلات الشهرية للطالب بحوالى الثلث، وأعفى الأطفال من أجرة المواصلات العامة، كما الأمهات اللواتي لديهنّ أطفالاً لم يتجاوزوا الرابعة من العمر. بالإضافة إلى جعل المواصلات العامة مجانية لكافة أهالي إسطنبول في الأعياد الدينية والقومية[2]… بالإضافة إلى قرار جريء آخر قضى بنقل جلسات البلدية مباشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعية تعزيزاً للشفافية وللمحاسبة الشعبية[3].

على الرغم من قصر تجربة إمام أغلو في رئاسة بلدية إسطنبول، إلا أنها انسجمت مع برنامجه الإنتخابي ووعوده السابقة، فركز على تخفيض قيمة الخدمات المباشرة المرتبطة باحتياجات المواطنين آملاً بتحقيق تقدم في صناديق الإقتراع. يبقى أن نقطة ضعف الرجل هي حزبه. إن حزب “الشعب الجمهوري” المعارض لا يُقارن بقوة التنظيم أو الحجم أو حتى القدرة الإقتصادية والمالية التي يتمتع بها الحزب الحاكم، لذلك يبقى على إمام أوغلو تعويض ملايين الأصوات التي يستطيع منافسه تأمينها دون جهد كبير، وذلك بالإتكال على قدراته الشخصية وخطابه المعيشي وصورته اللامعة كشاب حيوي يفي بالوعود التي يطلقها.

بن علي يلدرم… “دمية أردوغان”

يختلف مرشح حزب “العدالة والتنمية” الحاكم لبلدية إسطنبول بشكل كبير مع منافسه الشاب. تجربة بن علي يلدرم غير مشجعة في السلطة التنفيذية، وعمره الكبير نسبياً لا يشجعان الشباب على انتخابه. لا يتمتع الرجل بكاريزما تضاهي تلك التي يتمتع بها خصمه، ولا يتكلم في المسائل المعيشية كثيراً أو بشكل حازم، فلا يطال، بالتالي، عدداً كبيراً من الناخبين، إنما يظهر، من خلال تجربته السياسية السابقة، إلتحاقاً أكثر من عادي برئيس حزبه بشكل بات يوصف أحياناً بـ”دمية أردوغان”[4].

ما إن اختلف أردوغان مع “أخوته” السابقين؛ أحمد داوود أوغلو وعبدالله غول، حتى ظهر إسم بن علي يلدرم كشخصية سياسية مهمتها ملء الفراغ الذين سببه إزاحة حلفاء الأمس. حصد الرجل موقعاً مميزاً لدى رئيس حزبه، وتحوّل إلى رئيس للحكومة. إلا أن تجربته الحكومية لم تكن مرضية شعبياً، فشهد عهده بعض التراجع الإقتصادي في البلاد، ومحاولة إنقلاب عسكرية، وتراجعاً مخيفاً لقيمة الليرة التركية مقابل الدولار، وتضخماً في السوق المحلي. كما سعى بن علي يلدرم إلى إلغاء منصب رئاسة الحكومة عندما دعم الإستفتاء على التعديلات الدستورية، فعزز من صلاحيات رئيس الجمهورية وإنتهى دون منصب، ليدخل في كتب التاريخ كآخر رئيس حكومة تركية.

وعلى الرغم من أن لحزب ” العدالة والتنمية” حضوراً تاريخياً وحالياً كبيراً في مدينة إسطنبول، وتحالفه الثابت مع حزب “الحركة القومية” الداعم ليلدرم، إلا أن مرشح الموالاة لم يحصل على أكثرية الأصوات في إسطنبول متأخراً بضعة آلاف من الأصوات فقط كانت كفيلة بفوز منافسه، والطعن، بالتالي، بنتائج الإنتخابات في المدينة.

لا يزال حزب “العدالة والتنمية” الأقوى في المدينة، والمسيطر على شوارعها وأحياءها وبلدياتها الصغيرة، كما الأكثر تأثيراً على رجال أعمالها وأئمة مساجدها. إلا أن ضعفه تمثل بسوء إختيار شخصية لا يمكنها حصد أصوات من خارج الأصوات التقليدية التي يتمتع بها حزب “العدالة والتنمية” وحليفه “الحركة القومية”، فيما يبدو من نتائج الإنتخابات الأخيرة أن الكتلة الشعبية غير المسيسة قد أعطت أصواتها لمرشح المعارضة على حساب مرشح الحزب الحاكم.

بإنتظار الثالث والعشرين من حزيران المقبل، لا تبدو المعركة محسومة سلفاً لمرشح المعارضة، إلا أن فوزه على مرشح أردوغان سيكون له تداعيات كبيرة على المستوى المحلي بشكل خاص، خصوصاً لما لبلدية إسطنبول من رمزية وأهمية لدى الأتراك.

رمزية اسطنبول وأهمية انتخاباتها البلدية

لا ينظر كثيرون إلى الإنتخابات البلدية في تركيا بطريقة تأخذ من السياسة معياراً لها، إنما يربطونها، غالباً، بشؤون معيشية محدودة أو ظروف محلية خاصة. قد يصح هذا الأمر على بلدية نائية في أطراف البلاد، أو في ضواحي إحدى المدن الصغيرة، إلا أن لإنتخابات مدينة إسطنبول رمزية تتخطى الشأن المعيشي والظرفي، وتدل نتائجها على المتغيرات السياسية والمزاج الشعبي.

بالإضافة إلى حجمها السكني وقوتها الإقتصادية، تمثل إسطنبول رمزية سياسية مهمة. ليست العاصمة السابقة للسلطنة وحسب، إنما مدينة أردوغان نفسه الذي شغل منصب رئيس بلديتها بين العام 1994 و 1998. لقد ساهم ترأس أردوغان لبلدية إسطنبول في سطوع نجمه وإمكانية تأسيس حزب “العدالة والتنمية” في السنوات اللاحقة، ومهدت له الدرب للوصول إلى السلطة التنفيذية.

تبلغ ميزانية مدينة إسطنبول السنوية أكثر من 4 مليارات دولار[5]، وهو رقم ضخم ومؤثر. إن من يضع هذا المبلغ في تصرفه عند ترأسه بلديتها يستطيع أن يؤثر على الإقتصاد التركي ككل، ويوزع هذه الأموال على تلك الفئة أو يحجبها عن أخرى. من هذا المنطلق المادي، لهوية حاكم بلدية إسطنبول أهمية كبيرة، إذ يستطيع من يحكمها توزيع عائداتها ومشاريعها على محاسيبه أو حتى جعلها تتلائم مع مصلحة حزبه، فيزيد، بالتالي، من قدرة حزبه على الإحتفاظ بالسلطة في الإنتخابات التالية.

للمزاج الشعبي قصة أخرى. لقد بيّنت نتائج الإنتخابات الأخيرة فرقاً واضحاً بين الأرياف والمدن الكبرى. حافظ الحزب الحاكم على الصدارة في معظم البلديات والمدن الصغرى، إلا أنه خسر مدن أنقرة وإزمير وإسطنبول. يرتبط هذا الفرق بعاملان أساسيان، الأول هو نسبة التديّن الشديدة في الأرياف بالمقارنة مع تلك المدن، فيكون من المنطقي سياسياً أن ينتخب الريفيون حزب “العدالة والتنمية” الأكثر محافظة من منافسيه. أما الثاني، فهو الإقتصاد، إذ يتأثر سكان المدن الكبرى ذي الإقتصاد الأكثر حركية بظروف تقلبات السوق وفقدان قيمة العملة المحلية، فيُظهرون إنزعاجهم من حال الظروف المعيشية بصناديق الإقتراع.

مهما تكن نتائج انتخابات بلدية إسطنبول القادمة، إلا أن إعادتها بحد ذاته يمثل تحدياً للحزب الحاكم الذي يواجه تقلصاً في قدرته الشعبية، ومزاج المواطن غير الراضي عن ما آلت إليه الأمور في بلاده. أما وإن فازت المعارضة من جديد، فسيكون هذا الفوز الفاتحة لقضم متسارع لقوة الحزب الحاكم وتقلص قدرته على التأثير في الداخل والخارج.

تملك المعارضة التركية فرصة ذهبية لإثبات نفسها كقوة حقيقية قادرة على لعب دور مؤثر في البلاد أبعد من الخطابة على المنابر والنقد العادي القليل الأثر. كما تملك فرصة جدية في الفوز، هذا إن أحسنت إدارة شؤون المعركة السياسية والإنتخابية، ولم تسترح أو تستكين لعدم رضى الناس المستجد عن الحزب الحاكم ومرشحه.

جو حمورة، إعادة انتخابات بلدية إسطنبول: قوة وضعف المرشحين ورمزية المدينة، معهد الشرق الأوسط للدراسات والأبحاث الاستراتيجية، 27 أيار 2019.

Leave a Reply