الأخوين شلبي… الطيران، الإستشراق والبحث عن الحقيقة

جو حمورة

نشر أولاً على موقع المراسل

لا يُعطى “علم” الاستشراق الكثير من الجدية في تركيا. يكتفي الأتراك، عادة، بما يعرفونه، فلا يدرسون اللغات الأجنبية إلا فيما ندر، ولا يمحصون الكتابات الأجنبية حول تاريخهم إلا عرضاً.

يشمل هذا “العلم” كافة الدراسات للبنى الثقافية للشرق من وجهة نظر غربية، ومجمل كتابات الرحالة الغربيين الذين زاروا الشرق في القِدم، ودوّنوا مشاهداتهم وخبراتهم وأفكارهم حوله. لا يشكل مضمون هذا “العلم” من دراسات وروايات ولوحات فنية حقيقة تاريخية مطلقة، إلا أنه يجاور الحقيقة غالباً دون أن يخلو الأمر من بعض الرياء والمعلومات المتناقضة أحياناً.

للاستشراق وجه مضيء وآخر سلبي. يتعلق الأول بسدّ النقص الكبير في كتابات الشرقيين المعتبرة لتاريخهم، فتعطي أعمال المستشرقين لأهل الشرق لمحات عن تاريخهم الناقص. أما الثاني، فهو تشكيل وعي الشرقيين لتاريخهم “الغامض” بعيون غربية، فيرون أنفسهم حسبما رآهم الغربيون، وليس بالضرورة حسبما كانت الحقيقة عليه. غير أن الفائدة العملية والحقيقية لهذا “العلم” هي محاولة مقارنة مضمونه مع ما كتبه الشرقيون عن أنفسهم، وهي كتابات تتسم بالكثير من المبالغات والشطط والخيال، وتصل حتى إلى حدود خلق أساطير غريبة مثل نجاح العثمانيين في الطيران عام 1633.

عاش الرحالة العثماني “محمد زيلي” في القرن السابع عشر، وعمد طوال أربعين سنة من حياته إلى زيارة كافة نواحي السلطنة وتدوين ما رآه في كتابه الموسوعي “كتاب الترحال.“(Seyahat-Name)  يأخذ الكثير من الأتراك هذه الموسوعة كمرجع لهم، ويصفونها، في حواشي كتاباتهم، بالمستند العلمي. غير أن التمحيص في واحدة من أغرب قصص “كتاب الترحال” يعطي فكرة عن كمية مبالغات الشرقيين عند تدوين تاريخهم.

يذكر “زيلي” في كتابه الطيّار العثماني “لاغاري شلبي”، والذي بحسبه قد أطلق صاروخاً في السماء عام 1633. يذكر الرحالة أن “شلبي” جلس على صاروخ ذي 7 أجنحة كان قد صنعه، واستخدم 140 رطلاً من البارود لإطلاقه من حي “سراي بورنو” الإسطنبولي، وذلك تزامناً مع ولادة ابنة السلطان مراد الرابع. كما كتب “زيلي” أن “شلبي” قد قال لسيّده قبل الإطلاق: “يا سلطاني العظيم، كن مباركاً، إني ذاهب للتحدث مع النبي عيسى”. لكن مهمة “شلبي” قد فشلت بحسب “زيلي”. إذ يذكر أن الصاروخ قد هبط في البحر، وأجبر صاحبه على السباحة إلى الشاطئ ليمازح السلطان قائلاً: “يا سلطاني. إن النبي عيسى يرسل تحياته إليكم”. فما كان من مراد الرابع إلا أن كافأ “شلبي” بالفضة وأعطاه رتبة سباهي العسكرية في الجيش العثماني.

لا تخلو هذه الرواية “العلمية” من الغرابة، غير أنها لا تضاهي، بأي شكل من الأشكال، رواية أخرى كتبها “زيلي” عن أخ  “لاغاري شلبي”، “هزرفان”. يقول “كتاب الترحال” أن هذا الأخير قد صنع آلة تستخدم أجنحة من ريش الحيوانات للطيران بقوة الرياح. جرّب “هزرفان” ما صنعه بينما كان السلطان مراد الرابع يراقب من قصره، فطار من أعلى برج “غلطة” ليهبط بنجاح في ميدان “دوشانجيلار” في “أسكودار” البعيد حوالى 3 كلم ونصف. أمام استغراب الجماهير المحتشدة، منحه السلطان مراد الرابع كيساً من العملات الذهبية، وقال بحسب الكتاب: “هذا رجل مخيف. إنه قادر على فعل أي شيء يريده. ليس من الجائز إبقاء مثل هذا الإنسان بيننا”، فقرر، بالتالي، نفيه إلى أقاصي حدود السلطنة ليموت في منفاه الجزائري.

لا يذكر المستشرقون الأوروبيون أو السفراء الأجانب أي شيء عن محاولات الطيران في إسطنبول، وهم الذين كانوا يدونون كل شيء يجري معهم ويرسلونه إلى عواصمهم، فكيف بالحري بحدث بارز كالطيران في الجو. كذلك الأمر، ما الذي منع السلطنة من استثمار نجاح استخدام البارود أو ريش الحيوانات للطيران في الجو، وهي التي كانت، في زمانها، أكثر البلاد تطوراً؟

يميل الأتراك إلى المبالغة في استعراض تاريخهم وما حققوه، فيما تلعب القيادة التركية على هذا الوتر وتشجعه بشكل كبير. ففي خطابها السياسي والثقافي ونظرتها إلى التاريخ والحاضر، يهم أنقرة، على لسان مسؤوليها، الرفع من مصاف الشعب التركي حتى وإن تطلب الأمر العبث بالحقيقة. يعود جزء من هذا الأمر إلى أن الفكر القومي الذي سيطر على الأتراك منذ قيام الجمهورية عام 1923 وحتى العقود القليلة الماضية، قد ركز، كأي قومية أخرى، على استخدام الأساطير والشعبوية والمبالغات في الرفع من شأن تركيا وشأن شعبها وحضارتها. فيما استمر الحكم الحالي، ذو الخلفية الإسلامية، على نفس الوتر، وزاد عليه حتى بعض النفحات المحافِظة.

لذلك، نقف على الكثير من المبالغات في خطابات الأتراك السياسية وخاصة تلك الخطابات المتعلقة بالتاريخ والثقافة وما قدموه للحضارة. ففي 15 شباط/فيفري عام 2015 مثلاً، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان “إنّ المسلمين الأتراك هم، وليس كريستوفر كولومبوس، من اكتشفوا القارة الأميركية في القرن الثاني عشر”. كما ركز في أكثر من مناسبة على التذكير بأعمال “الأخوين شلبي” في مجال الطيران، دون أن ينسى الإعلام الرفع من شأنهم عبر إنتاج فيلم عنهما عام 1996 تحت عنوان “اسطنبول تحت أجنحتي”، أو حتى بناء مسجد باسم “هزرفان شلبي” قرب مطار أتاتورك في اسطنبول.

للباحث الجدي في تاريخ الشرق طريقان لتجنب المبالغات، ولعدم الوقوع في الشطط الخيالي مثل ذلك الذي رافق قصة “الأخوين شلبي”. الأول هو ضرورة اللجوء إلى كتب المستشرقين، خاصة أنها تغطي النقص في انتاج الشرقيين، تماماً مثلما أن استخدام كتب أبناء الشرق الذين عاصروا الأحداث هو، بدوره، ضرورة، حتى وإن اتسم بالمبالغات والخيال في الكثير من المواضع. أما الثاني، فهو حذف ما ليس مسند بشكل علمي أو مذكور في الإثنين معاً، والإتكال، فقط، على ما ذكره المستشرقون والشرقيون على حد سواء، كونه أقرب المعلومات إلى الحقيقة.

بالعودة إلى “الأخوين شلبي”، لا يهم اليوم كثيراً إن كانا قد نجحا في الطيران أم لا، ولا حتى يهم إن حاولا الطيران بالمقام الأول أم لا. إن كل ما يهم من أحداث التاريخ التي بقيت دون أثر اجتماعي كبير هو ملاحظة كيفية استخدامها في الزمن الحاضر بالخطاب السياسي والثقافي للرفع من شأن دولة وحط من أخرى، ومعرفة أن ما يقال في الإعلام وعلى لسان السياسيين والأفلام قد يكون مجرد وهم ورياء ذي أهداف سياسية لا أكثر.

Leave a Reply