التجارة بالمأساة: تركيا تجنّس السوريين… والأغنياء

جو حمورة

نشر أولاً على موقع المراسل

تلخص كلمة واحدة حالة اللاجئين السوريين في العالم؛ إنها المأساة.

بعيداً عن أسباب الصراع، ظروف الثورة أو نتائج الحرب، تبقى أزمة اللجوء واحدةً من أكثر المسائل حساسية وتأثيراً في الدول المحيطة بسوريا. البعض فتح أبواب اللجوء على مصراعيه مرغماً والبعض الآخر مخيراً، إلا أن تركيا ذهبت وحدها في اتجاه مختلف تماماً.

في تركيا أكثر من مليونين ونصف مليون سوري، وهي عملت مؤخراً على منح جنسيتها للعديد منهم. أثارت هذه الخطوة حفيظة المعارضة المحلية، كما خوف من تلقوا الجنسية على طبق من فضة لإمكانية فقدان جنسيتهم الأصلية.

استهدفت الحكومة من خلال هذا المشروع فئة محددة من السوريين، وهي مقتصرة على المستثمرين، حملة الشهادات الجامعية وأصحاب الكفاءات، مستثنية بذلك الفئات الأكثر تهميشاً. هدفت أنقرة للاستفادة اقتصادياً من اللاجئين الذي يقطنون عندها، عبر منحهم الجنسية التي تسهل عليهم أعمالهم واستثماراتهم. وهي خطوة لطالما اعتبرها أنصار الحزب الحاكم متأخرة بعدما غادر الكثير من المستثمرين وأصحاب الكفاءات إلى أوروبا.

الجنسية مقابل الاستثمار

ينص القانون التركي رقم 5901 على الشروط والإجراءات اللازمة لاستحصال الأفراد على الجنسية. وبحسب القانون الصادر عام 2009، يكتسب الفرد الجنسية عبر الولادة بمجرد أن يكون أي من والديه تركيا، أو بحالة الزواج من حامل للهوية التركية، كما في حال تبنيه قانونياً من أحد الأتراك.

يشترط القانون على طالبي الحصول على الجنسية الإقامة بصورة دائمة (لمدة خمس سنوات) على الأراضي التركية. كما يسمح لمن يثبت أصوله العثمانية قانوناً بالتقدم للاستحصال على الجنسية، وهي الحالة التي سمحت للكثيرين من سكان بلاد الشرق الأوسط والبلقان الاستحصال عليها. كما يمكن أن تمنح السلطات الجنسية بموجب قرار من مجلس الوزراء للعلماء والفنانين والأدباء، أو لمن يقدّم خدمات جليلة على المستوى الاقتصادي، العلمي، الأكاديمي، الفني، العسكري أو الرياضي.

في العام 2017، أقرت السلطات تعديلات على قانون الجنسية التركية، وأدخلت عليه شروطاً أخرى تُمكّن الأغنياء من الحصول على الجنسية. تنص التعديلات على أنه بات يحق لمن يستثمر أكثر من 2 مليون دولار، أو يمتلك ما تفوق قيمته المليون دولار، أو يوظف أكثر من 100 شخص داخل الأراضي التركية التقدم للإستحصال على الجنسية. ثم تبع هذه التعديلات تعديلات أخرى عام 2018 جعلت من قيمة الملكية المطلوب شرائها للحصول على الجنسية 250 ألف دولار فقط.

على الرغم من اعتراض القوميين على هذه الإجراءات الجديدة التي وصفوها بمحاولة لبيع الهوية التركية للأجانب في المزاد العلني، واعتراض بعض الليبراليين على استئثار الحكومة بالإقتصاد عبر الاستنسابية التي تبيح لها اعطاء الجنسية لمن ترى أنهم يفيدون الاقتصاد التركي وحجبها عن آخرين، لاقت الإجراءات الجديدة بعض الرواج عند المستثمرين الأجانب، ومنهم أبناء سوريا وأغنيائها.

مشروع التجنيس: بطء في التنفيذ ودقة في الانتقاء

مع طول أمد الحرب، واستقرار السوريين في تركيا، بدا أن اهتمام السلطات الإنساني بهم لا يكفي وحده من أجل تأمين حياة جيدة لهم. بالمقارنة مع الدول الأخرى المحيطة بسوريا، تقدم أنقرة الكثير من الضمانات الصحية والاجتماعية والتعليمية للهاربين من مخاطر الحرب، كما أعطتهم صفة “الباحثين عن الحماية المؤقتة” منذ العام 2013، والتي تحميهم قانونياً، وتمنع التعرض لهم أو ترحيلهم. هذا بالإضافة إلى خلق إدارات عامة متخصصة للنظر بشؤون السوريين والعراقيين والإهتمام بأحوالهم.

في مقابل هذه السياسة والعطاءات السخية، استفادت الدولة من السوريين القاطنين على أراضيها بأشكال عدة. فعدى تجنيد بعضهم عسكرياً من أجل المشاركة في الدخول إلى شمال سوريا، أو التفاوض حول أمرهم مع الإتحاد الأوروبي من أجل تحقيق مصالح سياسية خاصة، يظهر إعطاء الجنسية لبعض السوريين اليوم كمحاولة أخرى للإستفادة من الضيوف اقتصادياً.

منذ بداية العام 2016 وإلى اليوم تسير عملية إعطاء الجنسية للسوريين بشكل بطيء وسط تبريرات حكومية تبدو مقنعة بعض الشيء. تعيد هذه الأخيرة التروي في عملية التجنيس إلى أسباب إدارية ولوجستية وسياسية، ومنها أن محاولة الانقلاب وما تبعها من تغييرات جذرية في هيكلية الإدارة التركية قد أبطأت العملية، إضافة إلى الأزمات السياسية المحلية الأخرى التي لعبت دوراً سلبياً في تسريع عملية التجنيس.

لم يعنِ بطء الإدارة التركية عدم تحريكها ساكناً في هذه الملف، بل عمدت إلى اتخاذ إجراءات عملية منذ العام 2016 وإلى اليوم، حيث اتصلت بالآلاف من السوريين وأبلغتهم، عبر مقابلات مباشرة، بأنه تم اختيارهم من قبل السلطات للحصول على الجنسية، كما طلبت منهم تحضير بعض الأوراق الثبوتية وانتظار مواعيد المقابلات التالية. وعليه، تكون الإدارة التركية قد تركت لنفسها حرية الاختيار بين من تريد من السوريين أن يصبح تركياً، ولم تتكل على القانون 5901 وتعديلاته. كما تكون أنقرة قد قفزت فوق المادة القانونية التي تفيد بأنه على طالب الحصول على الجنسية التركية تحقيق شرط الإقامة في البلاد لمدة خمس سنوات، طالما أن البعض ممن حصلوا على الجنسية لا يستوفون هذا الشرط.

أما عن أعداد الذين حصلوا وسيحصلون على الجنسية، فالأرقام الصادرة من كل حدب وصوب كثيرة التضارب. تفيد بعض التصاريح بأن الرقم لن يتعدى الخمسين ألفاً، فيما تصاريح غيرها تفيد بأن أنقرة تريد، في نهاية الأمر، تجنيس حوالى 300 ألف من السوريين. غير أن الأكيد هو أن السلطات تقوم بالتحقق الأمني والسياسي والمالي والأخلاقي الدقيق لمن تنوي إعطاءهم الجنسية، فيما تسري الإشاعات في أوساط السوريين بأن أغلب المختارين لديهم نفس التوجهات الدينية والسياسية، ويوالون حزب “العدالة والتنمية” التركي الحاكم، ويعادون النظام السوري.

هوية المجنسين ومخاوفهم

تبدو هوية الذين تم انتقاؤهم ملفتة للنظر. إن الأكثرية الساحقة هم من ذوي الشهادات الجامعية والمعاهد المتوسطة والعليا، أو يعملون كأطباء ومهندسين ومدرّسين، بالإضافة، خصوصاً، إلى المستثمرين ومدراء الشركات. وهذا ما يراه البعض من السوريين والأتراك، على حد سواء، غير عادل، إذ إنّه يجعل المال والشهادات العلمية المعيار في إعطاء الجنسية، وليس الحاجة أو الحق القانوني. كما أن عملية منح الجنسية لم تقم على معايير واضحة، فليس الجميع من حملة الشهادات، أو من أصحاب رؤوس الاموال، إنما بعضهم من المقربين إلى حزب “العدالة والتنمية” الحاكم، أو لديهم علاقات متينة مع أجهزته الإنسانية العاملة في مخيمات اللاجئين، الأمر الذي يطرح الكثير من علامات الاستفهام حول إستنسابية السلطة وغياب المعايير الموحدة والواضحة للحصول على الجنسية.

من ناحية أخرى، تأتي خطوة التجنيس كاستدراك للخطأ الذي وقعت به تركيا خلال الأعوام الماضية، حيث خرجت أغلب الكفاءات والأموال العائدة للسوريين إلى أوروبا. فتكون الجنسية محفزاً لبقاء أصحاب الكفاءات والمستثمرين داخل البلاد، خاصة أن الهوية التركية تعطيهم حقوق وواجبات تمكّنهم من الدخول بسهولة إلى سوق العمل، التمتع بالضمانات الاجتماعية والاستثمار بأريحية أكبر.

على الرغم من امتناع السلطات عن الإفصاح عن الأرقام النهائية المنوي تجنيسها، إلا أن الرقم مرشح، في نهاية الأمر، ليكون كبيراً، وذلك مرده إلى أن من سيحصلون على الجنسية التركية سينقلونها لأفراد عائلاتهم. فوفق الأطر القانونية، يمكن لمن سيحمل الجنسية التركية أن يمنحها إلى أبنائه وبعض أفراد عائلته، أو من خلال الزواج أو حتى تنبي الأطفال.

من ناحية أخرى، يشكّل منح الجنسية للسوريين بعض المخاوف لديهم. ومنها ما هو مرتبط بخدمة العلم، فيما غيرها مرتبط بإمكانية فقدان الجنسية السورية. على الصعيد الأول، ينص القانون على إلزامية خدمة العلم، وهو ما سيتحول إلى واجب على السوري لحظة تجنيسه، إلا أن السلطات أعلنت في أكثر من مناسبة وتصريح أن من أتم 22 سنة من العمر لن يتم تكليفه بخدمة العلم. على العموم، يسمح القانون لمن عليهم واجب تأدية خدمة العلم دفع مبلغ من المال لكي يتم إعفاءهم منه بشكل قانوني، وبما أن المجنسين هم بأغلبهم من المقتدرين مادياً، لن تكون خدمة العلم حاجزاً أمام سعيهم ورغبتهم في الحصول على الجنسية التركية.

على الصعيد الثاني، يتخوف بعض المجنسين من إسقاط دمشق لجنسيتهم الأم عنهم كوسيلة للانتقام. وعلى الرغم من أن القانون السوري يسمح بالجنسية المزدوجة، إلا أن العداء التركي ـــ السوري قد يكون له تأثير على هذا الأمر، إذ قد يقوم النظام السوري بإسقاط الجنسية عمّن يحصل على الهوية التركية، كما مصادرة أموالهم المنقولة وغير المنقولة، خاصة أن الكثير منهم لا يزالون يملكون استثمارات وشركات وعقارات وأموالا في سوريا.

إيجابيات وسلبيات منح الجنسية

لمنح الجنسية التركية للسوريين الكثير من الإيجابيات والكثير من السلبيات كذلك. من ناحية الإيجابيات، يمكن لمن يصبح تركياً أن يعمل في وظائف ممنوعة على اللاجئين حالياً في القطاعين الخاص والعام، كما الاستفادة من بعض الضمانات الإجتماعية والصحية، وتعويض نهاية الخدمة والتنقل مجاناً أو بأسعار رمزية في مواصلات تابعة للدولة والبلديات، وحرية السفر والحركة إلى خارج البلاد. بالإضافة إلى الحقوق السياسية، كحق الترشح والإنتخاب وتأسيس الأحزاب والمشاركة في العمل السياسي وغير ذلك.

أما السلبيات فكثيرة أيضاً، ومنها خسارة المجنسين لمميزات التداوي المجاني التي يتمتعون بها الآن، كما المنح الدراسية التي حصل بعضهم عليها في السابق، وخسارة التقديمات الغذائية والمادية التي تقدم لهم من قبل المؤسسات الإنسانية التركية والعالمية. هذا بالإضافة إلى فقدان حق اللجوء إلى بلد ثالث، وربما خسارة جنسيتهم السورية في حال تبني دمشق لسياسة كيدية تجاههم.

بعيداً عن المكاسب والخسائر المباشرة والقريبة الأجل، سيتمكن السوريون المجنسون من الحصول على نوع من الاستقرار الاجتماعي في تركيا، مع ما يعنيه ذلك من إمكانية تقدمهم في مجالات الحياة كافة، كالاستثمار، والتعليم، والعمل السياسي، وشؤون اقتصادية واجتماعية أخرى. في المقابل، يبرز خوف السوريين الحقيقي من المصير الذي يمكن أن ينتظرهم في حال تغير الهوية السياسية لحكام تركيا، ما قد يؤدي إلى إلغاء كامل عملية التجنيس، أو سحب الجنسية ممن حصل عليها، في وقت لاحق، أو حتى طردهم من البلاد.

من ناحيتها، تنظر السلطات التركية إلى موضوع منح الجنسية من منظار اقتصادي بحت، وتهدف من خلاله إلى الإبقاء على الكفاءات السورية في البلاد، كما تسهيل استثمارات أصحاب رؤوس الأموال، بالإضافة إلى تخفيف تكاليف وأعباء الأموال والتقديمات التي تمنحها للسوريين المقيمين عندها بصفة باحثين عن حماية مؤقتة. وعليه، يبقى الهدف التركي من عملية التجنيس تعزيز الاقتصاد المحلي ورفده بالأموال والكفاءات البشرية الهاربة من الحرب، وهو هدف لا يأخذ أحقية السوريين الفقراء ومعدومي الحال الأكثر حاجة للجنسية في الحسبان، كما لا يأخذ القانون الذي ينص على شرط البقاء في الأراضي التركية لمدة خمسة سنوات كمعيار موحد للحصول على الجنسية. إنما تترك السلطات التركية عملية التجنيس مرتبطة بإدارتها وإرادتها حصراً، فتمنحها لمن تشاء وتحجبها عمّن تريد، لكأنّ ثمة شركة كبيرة يديرها رجال أعمال يبحثون عن موظفين ذوي كفاءات ومكانة مادية مرموقة لتعزيز قوة الشركة.

Leave a Reply