سرّ ابنة “أتاتورك” ومحاكمة قتلة “هرنت دينك”

جو حمورة

تُفاجئ تركيا من يحاول اكتشافها. حقيقة تلك البلاد ليست كما يراها زائرها الموسمي؛ مجرد أسواق للألبسة والأدوية البخسة، ومنتجعات ومتاحف وقصور عثمانية، وأزهار “توليب” موزعة عند كل شارع. إنما هي هيكل فخم لمجتمع معقد، صعب ومتناقض، ولوحة فسيفسائية من الشعوب والقوميات والمذاهب والأفكار، ومكان خطِر لمن يكشف حقيقة أو يُعلن بشرى.

اكتشف أهل وزملاء الصحافي “هرنت دينك” تلك الحقيقة عن تركيا بعد فوات الأوان، وذلك عندما أقدم أحد الأتراك على إطلاق النار عليه في الشارع عام 2007. الصحافي ذو الأصول الأرمنية كان واحداً من أكثر الأشخاص المرموقين في المجتمع الأرمني التركي، وأحد المدافعين عن القضية والهوية الأرمنية، ومجاهر فذ بحقوق أبناء قوميته بالتعويض عما لحق بهم من ظلم عام 1915. لكن كل هذا النضال لم يثر أي مشكلة حقيقية بينه وبين الحكم، أو يسبب له أزمة عميقة مع النظام القانوني التركي، ولا انتبه كثر من الأتراك حتى إلى نضال “دينك” وما يدعو إليه. غير أن الأمور سرعان ما تغيرت يوم نشر تحقيقاً صحفياً عن ابنة مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال “أتاتورك” وأثبت أصولها الأرمنية، فدفع حياته ثمناً لما كتبه، وأردته قتيلاً ثلاث رصاصات في الرأس. لتعود وتنطلق محاكمة للقاتل البالغ 17 سنة من العمر لحظة ارتكاب الجريمة وشركاءه، والتي لم تنتهِ فصولها حتى اليوم.

“المنتمية للسماء” وأيقونات الحكم

اشتهر “أتاتورك” بتبني الأطفال واليتامى. لم يدرِ أحد إن كان الميل لهذا الفِعل مدفوع بحب المساعدة الإنسانية، أم أنه ردة فعل دعائية ضد الإسلاميين الذي يرفضون مبدأ التبني. لكن الأكيد أن الرجل الأشهر في تاريخ تركيا الحديث قد تبنى سبعة أطفال على الأقل، حيث كانت أكثرهم شهرة وتمييزاً عنده وعند الأتراك “صبيحة”.

في زيارة له إلى مدينة بورصة عام 1925، استوقفت عيون “صبيحة” الزرقاء موكب مؤسس الجمهورية. دار نقاش بين “أتاتورك” والفتاة البالغة 12 سنة من العمر، وشرحت له، كما تذكر الرواية التركية الرسمية، عن حلمها في التعلم. فانتهى الأمر بأن طلب “أتاتورك” من أخيها الأكبر أن يتبناها ويتكفل بتعليمها بأرقى المدارس والجامعات، فكان له ما أراد. ثم ليعود ويعطيها إسم عائلة جديد هو ” كوكجن”، والذي يعني “المنتمية للسماء” دلالة على عيونها الزرقاء[1].

عاشت “صبيحة” في قصر “أتاتورك” إلى جانب إخوتها الأخريات في التبني، وتعلمت في مدرسة أنقرة والأكاديمية الأميركية في اسطنبول. لتعود وتغرم بالطائرات وتتعلم قيادتها، فتصبح أول قائدة لطائرة عسكرية في تاريخ تركيا، والثالثة في العالم، وتشارك في العام 1937 والعام الذي تلاه في شن حملة عسكرية للقضاء على تمرد ضد الحكم اندلع في ولاية درسيم (تونجلي).

استخدم الحكم التركي “صبيحة” والكثيرات غيرها في دعايته الإيديولوجية، وأبرز صور أيقونية لهنّ. استُخدمت بنات “أتاتورك” بالتبني لإظهاره كرجل محب ومتسامح، كما من أجل إعطاء دور جديد للمرأة عبر التشبه بهنّ. لا حجاب على رؤوسهنّ، ولا موانع من العمل في أي مهنة كالرجال تماماً، وولاءهنّ لا يكون إلا للجمهورية ولمؤسسها. مثلت “صبيحة” و “أخوتها” صورة المرأة العصرية التي أراد الحكم التركي إرساءها لإدخال النساء في سوق العمل وإبعاد الناس، قدر الإمكان، عن التديّن الإجتماعي، والتخفيف من أثار الخلافة الإسلامية والسلطنة العثمانية في وجدان الأتراك.

بسبب الدعاية المرافِقة على مدى سنوات طويلة، تحولت “صبيحة”، مع الوقت، إلى مثال يُحتزى للقوميين الأتراك، وأيقونة للمرأة التركية، وصورة للأتراك النشيطين والفخورين ببلادهم. هذا وكان الحكم قد سمّى المطار الثاني في اسطنبول على اسمها (مطار صبيحة كوكجن الدولي) تكريماً لها، ما زاد من أهميتها لدى الأتراك.

من ناحية أخرى، تقول الرواية التركية الرسمية المعمَّمة أن “صبيحة” من أصول بوسنية، وإن والديها البيولوجيين هما مسلمان من البوسنة ماتا خلال الحرب العالمية الأولى. لكن هذا التسليم في الحقائق لم يمنع الصحافي “هرنت دينك” من التعمق والبحث أكثر عن أصول “صبيحة”، فاكتشف أنها أرمنية ونشر ذلك عام 2004.

فضح “سرّ صبيحة هاتون” وردات الفعل

نشر “هرنت دينك” تحقيقاً صحافياً في جريدة “أغوس” التركية الناطقة باللغة الأرمنية حول أصول “صبيحة”[2]. يقول التقرير أن والدا “صبيحة” كانا أرمنيان وقتلا خلال أحداث العام 1915، فيما هي وضِعت مع أخوتها لاحقاً في ميتم في مدينة بورصة، وتم الإدعاء بأنهم من أصول بوسنية خوفاً من تعرضهم للقتل إن علم أحد بأصولهم الأرمنية. يكشف “هرنت دينك” تلك المعلومات بعد إجراء تحقيقات مع أنسباء لـ”صبيحة” غادروا تركيا إلى أرمينيا، وبالإتكال على بعض الوثائق التاريخية.

شكل هذا التقرير المنشور عام 2004 تحت عنوان “سرّ صبيحة هاتون” قنبلة حقيقية في تركيا، وتناقلته مجمل الصحف في اليوم التالي. بعض وسائل الإعلام رفضت هذا “الإدعاء”، والبعض الآخر دعا للتحقق منه، فيما آخرون دعوا لمحاكمة كاتبه لمسّه بهوية تركيا وأبطالها القوميين بناءً على المادة 301 من قانون العقوبات التركي التي تجرّم من ينتقد “الهوية التركية”.

مع نشر التقرير، بات “دينك” ذائع الصيت في تركيا، وتحوّل من شبه مجهول لأغلبية الناس إلى عدو القوميين الأول. تأزم الأمر مع إصدار “هيئة الأركان العليا” في الجيش التركي لبيان نفى مزاعم “دينك” ووجه له تهديداً مبطناً، معتبراً “أن صبيحة كوكجن هي رمز من رموز القومية التركية ومثال حيّ للدور الذي أراده أتاتورك للمرأة في بلادنا… إن بعض كتابات الإعلام لا تساهم في الوحدة الوطنية والأمن الإجتماعي… ولا يمكن أن نقبل هذه الإدعاءات التي تشوه المشاعر والقيم الوطنية والتي سنواجهها حفاظاً على تركيا”[3].

سوّق بعض الإعلام التركي بأن هذا التقرير هو مؤامرة تم التخطيط لها من قبل أرمينيا، إلا أن هذه الإدعاءات سقطت مع عدم إكتراث تلك الدولة لكل هذا الموضوع، كما بسبب بعض الظهورات الإعلامية لمن عاصروا “صبيحة” وعرفوها. بعضهم كشف أنها كانت تجيد بعض الكلمات الأرمنية، وآخرون ذكروا كلامها الدائم عن رغبتها بزيارة يرفان، وبعض الدلائل الأخرى[4] التي أكدت على هويتها.

لم يُسَر الكثير من الأتراك بهذا الواقع الجديد. البعض رفض أن تكون بطلته القومية غير تركية، فيما عبّر الكثيرين عن استياءهم من حمل مطار اسطنبول لإسم أرمنية. أما “هرنت دينك” فتحمل مجمل الانتقادات الذي أخذ بعضها منحاً عنصرياً، كما تلقى بضعة مئات من التهديدات بالقتل من القوميين الأتراك.

في مقاله الأخير عام 2007، اشتكى “دينك” من الحملة الإعلامية التي تطاله كما من عدم اكتراث السلطات التركية للتهديدات التي يتعرض لها. كتب “دينك”: “من الواضح أن من أرادوني ضعيفاً وغير قادر على حماية نفسي قد حققوا مرادهم. لقد حولوني عند الكثيرين إلى عدو للهوية التركية بسبب المعلومات المغلوطة التي تلقوها… إن حاسوبي مليء برسائل التهديدات والغضب التي أتلقاها من المواطنين. لقد تقدمت بشكوى إلى مكتب المدعي العام في شيشلي حول واحدة منها، لكن دون نتيجة”[5].

لم تكن الرسائل الموجهة من الأتراك مجرد كلام دون فِعل، وهذا ما أثبته “أوغون ساماست” عندما انتظر “دينك” خارج مكان عمله وأرداه قتيلاً. بعد أيام من الجريمة اعتقلت الشرطة المتهم، ونشرت هويته الكاملة: 17 سنة من مدينة طرابزون.

لقد شهدت هذه المدينة، في السنوات الأخيرة، صعوداً للتيار القومي، كما انخراطاً لغير البالغين بالجرائم السياسية. هذه المدينة نفسها التي قتل شاب يبلغ 16 سنة من العمر الكاهن “أندريا سانتورو” عام 2006، كما نفذت فيها بضعة هجومات على سلسلة مطاعم أجنبية لأنها تقدم الطعام في شهر رمضان[6].

اعتراف بالجريمة وتلكؤ الشرطة

مع بداية التحقيقات اعتقلت الشرطة ثلاثة أشخاص على صلة بجريمة القتل، وهم مطلق النار “أوغون ساماست”، والمدبِّر المفترض “إرهان تونجل” وصديق آخر، ثم توسع الأمر ليشمل عشرات الأشخاص. سارعت الأحزاب والمنظمات الشبابية اليمينية إلى نفي أي صلة لها بمرتكبي الجريمة، فأعلنت تبرؤها من المتهمين، على الرغم من أن كثر رفضوا هذا التبرؤ جازمين أن هكذا جريمة لا يمكن أن تتم من شبان طائشين دون أن يكونوا مدفوعون من أي جماعة منظمة.

بعد أسابيع قليلة من التحقيقات والمحاكمات، اعترف إثنان من المتهمين بارتكاب الجريمة، معتبرين أن فعلهم “هو تصرف شخصي غير مرتبط بأي عمل تنظيمي”، مؤكدين أنهم قتلوا “هرنت دينك” لأنه “أهان الأتراك” بالكلام عن “صبيحة كوكجن”، دون إظهار أي ندم على ذلك[7]. إلا أن الملفت في القضية لم يكن سرعة الإعتراف فحسب، إنما هوية عمل المتهم بتدبير الجريمة “إرهان تونجل”، الذي أشارت التحقيقات أنه عمل لفترة كمخبر سري لدى الشرطة.

بناءً على الاعترافات والتحقيقات حكمت محكمة الجنايات في مدينة طرابزون على “أوغون ساماست” بالسجن لمدة 22 سنة بجرم القتل المتعمد[8]، وببضعة سنوات من السجن بحق آخرين. لكنها برأت المتهم بتدبير الجريمة “إرهان تونجل” بسبب غياب الأدلة الكافية “على تأليف عصابة”[9]، الأمر الذي أثار سخط المدعين وأصدقاء “هرنت دينك”.

خلال الدفاع عن نفسه أثار “إرهان تونجل” زوبعة حقيقية في جسم المؤسسات الأمنية التركية. اعترف الرجل أنه كان على علم بحدوث الجريمة، وأبلغ المسؤولين الأمنيين عنه بالأمر أكثر من 18 مرة، لكن دون أن يستمع أحد إليه، ودون أن تقوم الشرطة بواجبها في المحافظة على حياة مواطنيها[10].

كانت لكلمات “إرهان تونجل” وقعها على القضية وعلى الرأي العام، إذ تحوّلت أنظار الجميع إلى إمكانية ربط جريمة قتل “هرنت دينك” بتقصير ما من قبِل المؤسسات الأمنية، أو ربما إلى مشاركة مؤسسات رسمية في جريمة القتل. وهذا سرعان ما حصل عندما أخذت القضية بعداً مختلفاً وبدأت المحكمة باستدعاء المسؤولين الأمنيين للتحقيق بإمكانية تقصيرهم في تأدية المهام المنوطة بهم.

عدا ارتباط هذه الجريمة بدافع سياسي – إيديولوجي، على اعتبار أن من ارتكبها أراد “الدفاع عن القومية التركية”، ارتبطت هذه الجريمة كذلك بالتطورات السياسية بشكل كبير. إن المحاكمات التي تمت قبل المحاولة الإنقلابية التي قام بها الداعية “فتح الله غولن” عام 2016 كانت، بمجملها، تطال مدنيين، فيما الاتهامات تلصق بالتنظيمات الشبابية اليمينية. غير أن سياسة تنظيف الدولة من أنصار “غولن” بعد المحاولة الإنقلابية كان له وقع على محاكمة قتلة “هرنت دينك”، فما عاد المتهمون والمحاكَمون مدنيون، إنما رجال الشرطة. فيما نقل الإعلام بارودة الإتهامات من كتف إلى آخر، فما عادت التنظيمات اليمينية هي المتهمة بالجريمة، بل تنظيم “جماعة غولن” ذات النفوذ القوي في المؤسسات الأمنية.

تحوير المحاكمة للاقتناص من “غولن”

مع تسريب اعترافات “إرهان تونجل” إلى الإعلام باتت المؤسسات الأمنية مستهدفة في صُلبها، وتحوّلت من حامٍ لحياة الناس إلى متهم بغض الطرف عن جريمة ذات طابع سياسي. أمام وابل الانتقادات حوّل الإعلام الرسمي والموالي للحزب الحاكم أصابع اللوم إلى عدوه الأبرز، فإتهم “منظمة غولن” بالتخطيط للجريمة من أجل زعزعة الاستقرار في تركيا. لا ينفي هذا الأمر البتة أن تكون المنظمة هي الضالعة فعلاً بالجريمة، لكن تدخل السياسة في القضاء يفسده، فيما إيحاء الإعلام الدائم عن متهم دون آخر لا يشجع على تحقيق العدالة بقدر ما يضيّع التحقيق والرأي العام[11].

منذ العام 2016 وإلى اليوم يتوالى التحقيق مع أنصار “غولن” داخل الأجهزة الأمنية بتهمة الاشتراك بقتل “هرنت دينك”. أعتقل قائد شرطة محافظة طرابزون وقائد المخابرات العامة في المحافظة لفترة ثم أطلق سراحهما بعد “التثبت من عدم وجود علاقة لهما مع منظمة غولن”[12]. كما تم توقيف عشرات ضباط الشرطة والمخابرات العامة والعاملين في السلك الأمني، فيما سُرح بعضهم وسُجن آخرون بتهم مختلفة تبدأ بالتلكؤ في واجباتهم الوظيفية إلى حدود التستر على معلومات أمنية[13].

تشعبت المحاكمات في العام 2017 والعام الذي تلاه حتى وصل الأمر بالمحكمة أن اتهمت “غولن” و المدعي العام السابق “زكريا أوز” وبدأت بحاكمتهم غيابياً لسكنهم خارج البلاد[14]. ضاعت قضية “هرنت دينك” في ميدان السياسة والانتقام، فتراجع مبدأ العدالة للضحية على حساب تقدم ربط “غولن” بالجريمة. ما عاد للقضية أي علاقة بقتل صحافي أو بالخلاف الأرمني – التركي، ولا حتى بهوية “صبيحة كوكجن” الأرمنية وردات فعل القوميين الموتورة، إنما باتت القضية في مكان آخر.

تعوّد الحكم التركي في آخر سنتين ربط “منظمة غولن” بكل أمر سيء جرى أو سيجري في تركيا. لا بل باتت القضايا والجرائم التي حصلت منذ عشرات السنوات من أفعال المنظمة، وكل شر يتربص بتركيا هو من فعل أيادي “غولن” وعقله الشرير حسب الإعلام التركي. تحوّل الرجل إلى شمّاعة يلصق فيها كل أمر سيء، أكان عبر القضاء أو الإعلام أو في ميدان السياسة، فيكسب الحكم براءة من كل خطأ، وتلصق كل جريمة وخطئية بعدوه.

في شهر كانون الثاني/ يناير من كل عام، يسير بضعة آلاف من أصدقاء وعائلة ومحبي “هرنت دينك” في إحدى شوارع إسطنبول للمطالبة بتسريع المحاكمة ومعاقبة كل الضالعين بالجريمة. في العام 2017 تكلمت زوجة “دينك” خلال المسيرة قائلة: “لقد اجتاح هذه البلاد كابوس. إن الناس خائفة وبالكاد تقوى على التنفس… لقد ذُل الكبرياء. يبدو أن الدولة بكامل مستوياتها قد خططت لاغتيال “هرنت”… دعونا على الأقل نحترم أحزان بعضنا البعض”[15]. تردد المرأة وأصدقاء زوجها نفس الكلام كل سنة تقريباً دون التوصل إلى نتيجة حقيقية. فلا تنتهي المحاكمة ولا تصدر الأحكام النهائية، فيما يستمر استدعاء الضباط الواحد تلو الآخر للشهادة أو سماع الحكم، ربما إلى حين إثبات أحدهم بطريقة ما أن “غولن” هو فعلاً من قتل “هرنت دينك”.

جو حمورة، سرّ ابنة “أتاتورك” ومحاكمة قتلة “هرنت دينك”، المفكرة القانونية، 10 كانون الأول 2018.

Leave a Reply