سلطان البوسفور

جو حمورة

نشر أولاً على موقع المراسل

لا يمكن تصوّر حاكم ناجح من دون مشاريع ينفذها في عهده. لا الجاه ولا التيجان يُخلدهما التاريخ أو يحفر أسماء حامليها فيه. لا يكترث التاريخ مطولاً للضحايا أو للأبطال، للخونة أو للجزارين. إن كلّ ما يبقى من أعمال رجال الماضي هو ما وُضع في الكتب عنهم، أو ما حملته اللوحات الرخامية من أسماء على مداخل المشاريع الكبرى.

لا تأتي هذه المشاريع من عدم، إنما، غالباً، من أحلام أصحابها، فيتحوّل بعضها الى حقيقة تدوم لأجيال لاحقة. أما تلك التي لا يُكتب لها النجاح، فتخلد قليلاً على وسادة الزمن منتظرة من يعيد إيقاظها. عام 1891، كان للسلطان العثماني عبد الحميد الثاني مشروع إعادة أمجاد دولته بعدما أضحت “رجلاً مريضاً” على وشك الانهيار. فلا إمبراطورية تستمر إن لم يكن في عاصمتها رمز ما يُلخص دوّرها ويُظهر جبروتها ويُؤكد تقدمها.

كان مشروع السلطان إنشاء سكة حديدية تربط ضفتي البوسفور ببعضهما، فيعود مركز حكمه ـــ إسطنبول ـــ نقطة وصل لطريق الحرير التجارية الممتدة من وسط آسيا الى أوروبا. عمد السلطان بالمشروع لخبراء من فرنسا وبريطانيا وأميركا، لكن تكلفته الضخمة ومشاكل السلطنة الداخلية وهزائمها المتلاحقة أفشلت فرص نجاحه. لم تكن السلطنة في فترة قيامها بل في فترة العجز، قبل الأفول.

تربّع “سلطان” جديد على عرش الحكم في تركيا عام 2002، وككل الحكام كانت لديه أحلامه. أيقظ رجب طيب أردوغان، في الأتراك، خلال فترة حكمه الطويلة، أحلام سلاطينهم القدامى وإمبراطوريتهم الشاسعة والغنية. بعثر تاريخ أسلافه ومشاريعهم، منتقياً ما يعجبه وكل ما وجده قابلاً للتحقق.

وضع الرجل الأقوى في تركيا حجر الأساس، عام 2004، لمشروع وصل ضفتي البوسفور الآسيوية والأوروبية بقناة سكك حديدية تحت المياه. ما عادت ظروف السلطنة المادية والسياسية التي حالت دون نجاح المشروع سابقاً هي نفسها في الزمن الحاضر، لذا عمد “السلطان” الجديد الى التعاون مع شركات يابانية وأوروبية لبناء المشروع بتكلفة 4.5 مليار دولار، ليتم افتتاحه عام 2013.

تمتد القناة، المسماة “مرمراي”، على حوالى 14 كلم معظمها تحت المياه بين قارتي آسيا وأوروبا. أما أهميتها الحقيقية، فهي أنها الوصلة الأخيرة التي تربط السكك الحديدية بين شرق آسيا وغرب القارة العجوز، أي من حدود بكين الى لندن، فتفتح بذلك المجال أمام انتقال البضائع والأشخاص على طول هذا الطريق. يؤمّن هذا المشروع، كذلك، انتقال مليون عابر يومياً ما يخفف من زحمة السير في اسطنبول، ويجعل مدة انتقال الأتراك بين ضفتي البوسفور أربع دقائق فقط وبكلفة زهيدة.

مشروع اسطنبولي آخر أخذ بُعداً مهماً عام 2018 بعدما شارف على الانتهاء. بنت تركيا أكبر مطار في العالم شمال المدينة بقيمة حوالى 12 مليار دولار، وافتتحت بعضاً من أجزائه في شهر تشرين الأول/أكتوبر الماضي. المشروع الضخم سيؤمّن حوالى 200 ألف وظيفة، ويدر مليارات الدولارات على تركيا يوم تشغيله بشكل كامل عام 2023.

إنّ مشروع سكك الحديد بين ضفتي البوسفور، ومشروع بناء أكبر مطار في العالم هما جزءان أساسيان من مشروع “رؤية 2023″، وهي مجموعة وعود أطلقها أردوغان في السنوات الماضية عن كيفية تصوّر بلاده في هذا العام. تتضمن “رؤية 2023″ مجموعة مشاريع ضخمة أخرى مثل بناء مفاعلين نوويين لإنتاج الطاقة، وهما قيد الإنشاء بالتعاون مع شركات يابانية وروسية وفرنسية. هذا بالإضافة إلى عشرات مشاريع البنى التحتية الضخمة التي تصل المحافظات ببعضها أو بالدول المحيطة، كما مئات المشاريع الزراعية والطبية والرياضية في طول البلاد وعرضها.

عند كل افتتاح لمرحلة من هذه المشاريع، تُرسل الحكومة دعوات رسمية إلى ممثلي دول العالم ليشاركوا افتخارها بالإنجاز الجديد. يُلبي البعض ويمتنع آخرون، لكن الجميع يتكلم في الاحتفالات عن سرعة ودقة التنفيذ التركي، وعن استباق المشاريع لـ”رؤية 2023”. يمضي المسؤولون الأتراك أوقاتهم في التنقل بين ضفتي اسطنبول الآسيوية والأوروبية لافتتاح مركز هنا وجسر هناك. لكن ماذا عن تركيا نفسها، هل هي تعبر بسلاسة بين القارتين؟

بالرغم من مكانها الجغرافي المتميز، وحيوية شعبها ورؤية ساستها، لم تحتل تركيا ذاك المكان المرموق الذي كان يأمله من يوجهها منذ سنوات قليلة خلت. فلا العبور الى أوروبا واتحادها قد تمّ، ولا النفوذ التركي في تقدمٍ وازدهار في الشرق.

على الضفة الأوروبية، لم تنجح تركيا سوى بالإنتهاء من فصل واحد من أصل الفصول الـ35 التي عليها استيفاء شروطها لتصبح عضواً في الاتحاد الأوروبي. إنّ “الفيتو” القبرصي المدعوم من اليونان على عدد من الفصول، كما التردد الألماني والفرنسي الذي يظهر بين الحين والآخر لفكرة الانضمام، يجعلان طريق تركيا غرباً وعرة. هذه الطريق تمر بنيقوسيا حتماً، عبر إعادة توحيد جزيرة قبرص المقسّمة، والتي لا يمكن أن يكون توحيدها إلا على حساب جزئها الشمالي التركي.

في العلاقة مع الغرب أيضاً، لا تثبت العلاقة الأميركية ـــ التركية على حال، بل تتنقل بين حدود التوتر وحدود التحسن تبعاً للظروف والمواضيع قيد البحث. العلاقة مع اليونان ليست في أفضل أحوالها كذلك، تماماً كما هي حال علاقات المد والجزر بين أنقرة وكل من باريس وبرلين ولندن وموسكو. إن تركيا واقعة في مأزق استراتيجي لا خروج منه: كلما توجهت الى أوروبا ابتعدت عن طريق الشرق، وكلما اختارت التقدم في الشرق ابتعدت عن طريق أوروبا.

كحال مسيرتها نحو الغرب لا تبدو طريق تركيا الى الشرق أسهل. خسرت “سلطنة أردوغان” حليفاً مصرياً أساسياً مع سقوط حكم الإخوان المسلمين عام 2013، ثم أخطأت عبر أخذ مواقف عدائية وجذرية تجاه الانقلاب العسكري هناك مفضّلة عدم التعامل مع الواقع الجديد، فتعثرت العلاقات التركية ـــ المصرية ووصلت إلى حدود العداء. خسرت أنقرة في السنوات الماضية حليفاً إخوانياً في الحكم وكسبت عداء العسكر، فتراجعت كمية صادراتها إلى مصر وعبرها، كما تقلص نفوذها في الشرق بشكل عام.

في سوريا، لا يبدو أنّ ما يجري على الحدود الجنوبية لتركيا سيفيدها على المدى الطويل. فعدا القذائف التي تسقط في أراضيها بين الحين والآخر، تشكل الحرب مع تنظيم “داعش” والميلشيات الكردية، خطراً مستقبلياً على تركيا. إن إفشال الأتراك لمخطط قيام دولة الخلافة ودولة كردية مستقلة قد لا ينساها أصحابها يوماً، وربما يؤذون تركيا حين تسنح لهم الفرصة من جديد.

إنّ فوز النظام السوري غير المعلن بعد، لا يصب في مصلحة تركيا بأي شكل من الأشكال. لم يسقط النظام ولا رأى مجمل السوريين تركيا كمخلص لهم. أما وجود “جيش السلطان” في إدلب وشمال سوريا فلن يستمر إلى ما لا نهاية، ولن يبقى هناك كثيراً بعد التوصل إلى تسوية تنهي الحرب في الشام.

على ضفة أخرى من الشرق، تبقى تركيا معرّضة لانحسار نفوذٍ بطيء أمام المدّ الإيراني، أكان بسبب علاقة تركيا المتقلبة بحكومة بغداد المركزية، أم بسبب تراجع رهانات تركيا بانهيار النظام السوري. أما العلاقة مع مجمل دول الخليج فهي في دركها الأسفل، أكان لوقوف أنقرة في صف الدوحة، أم بسبب السياسة التركية في التعامل مع السعودية في قضية مقتل الصحافي جمال الخاشقجي.

من يشاهد التلفزيون التركي الرسمي يمكنه رؤية هذا المشهد بشكل شبه يومي: كسلطان عثماني، يفتتح أردوغان مشروعاً تلو الآخر. يصطف مِن حوله مسؤولون محليون وعالميون، ثم يُلقي خطاباً مؤثراً عن عظمة تركيا ودور اسطنبول وتسامح الإسلام وحداثته، ثم يربط بين تاريخ السلطنة وواقع تركيا وسياساته الخاصة. يُقص الشريط الأحمر، تؤخذ الصور، ثم يغادر المسؤولون لافتتاح مشروعاً آخر.

عدا استبدال العمامة بربطة عنق حديثة، وسيوف العسكر بعصيان رجال الشرطة، لا تكفي نجاحات أردوغان الداخلية فقط لتجعله سلطاناً. لا ينقص الرجل نفوذاً خارجياً مؤثراً غير متوفر فحسب، إنما الخلافة وما ترمز إليه وتتيحه كذلك. هذه الخلافة التي جعلت من السلاطين العثمانيين أرباباً على السلطة الزمنية والدينية داخل وخارج حدود أراضيهم، غير متوفرة لأردوغان اليوم. إن التأثير التركي في كيفية فهم وتقديم الإسلام للعالم لا يمكن أن يضاهي ذاك الإسلام المدعوم من المرجعيات السعودية أو الإيرانية بأي شكل من الأشكال. فأردوغان لا يزال في البوسفور، سلطان تركيا، وعلى تركيا فقط.

Leave a Reply