إرث ”الأغراب“ و”الخونة“: العثماني الذي غاب وبقيَ

جو حمورة

نشر أولاً على موقع المراسل

مئة سنة مرّت على نهاية الحرب العالمية الأولى. هُزمت الدولة العليّة وانزوى سلطانها في أحد القصور دون قدرة على الفِعل والتأثير. تفككت أوصال السلطنة العثمانية: غنمت اليونان أراضيها التاريخية، توحّدت قبرص، سيطر البريطانيون والفرنسيون والإيطاليون على معظم تركة “الرجل المريض”، ثم دخلوا إلى اسطنبول ووزعوا النفوذ فيما بينهم.

قبل ذلك بحفنة من السنوات، قام العرب، بقيادة الشريف حسين، بإعلان العصيان والتمرد على العثمانيين. حرروا المدن والإيالات شرق المتوسط، وطردوا “الأغراب” إلى الأناضول بمساعدة الإنكليز، فأنهوا الوجود العثماني المستمر منذ أربعة قرون متتالية. طوال تلك الفترة، تشعبت العلاقة بين عرب شرق المتوسط والأتراك، وحفرت تأثيراتها في وجدان تلك الشعوب، دون أن تخلو من صفات المديح والنكران، وتعابير البطولة والشرف أو من اتهامات الخيانة. فماذا بقي من الإرث العثماني عند عرب شرق المتوسط؟ وكيف ينظر الأتراك إليهم اليوم؟ ولماذ قدِم العثمانيون إلى تلك البلاد في الأصل؟

احتلال وتحرير: العثمانيون و”أسياد البحر

مع ارتفاع أهازيج الغلبة والنصر العثمانية في معركة “جالديران” عام 1514، بات العثمانيون أكثر حرية في الميدان العسكري. تغلبوا في تلك المعركة على الإمبراطورية الصفوية، فارتاحوا من الخطر الرابض في الشرق، ثم راح سلطانهم، سليم الأول، يعد العدّة لقتال المماليك. إلا أنّ توغل الأسطول البرتغالي في البحر الأحمر، وشنّه غارات مؤذية على سكان وموانئ الشعوب الإسلامية في مصر واليمن وغيرها، قد ساهم في تسريع الأمور. أرسل شريف مكة رسالة إلى السلطان العثماني يطالبه بالمساعدة على الحماية من البرتغاليين عام 1516، فما كان من سليم الأول إلا أن بادر بإعلام العرب بأن جيشه الجرار قد تحرك نحو الجنوب، وبأنه قادم لتحريرهم من النير المملوكي، ولحماية العالم الإسلامي من الأجانب.

على عكس الرواية العربية الرسمية، لم يأتِ العثمانيون، وفق التاريخ التركي، كمحتلين. إنما أتوا بدعوة من أشرف أسياد العرب والمسلمين، وبهدف تحريرهم من الحكم المملوكي وحمايتهم من البرتغاليين. من هذه النقطة بالذات يبدأ الخلاف بين العرب والأتراك حول تاريخ الوجود العثماني في بلاد شرق المتوسط العربية، ثم يتشعب إلى ما لا نهاية.

للهجوم العثماني صوب الجنوب بُعد استراتيجي كذلك. كان السلطان سليم الأول وحاشيته على دراية كافية بأنهم إن لم يقدِموا على هذه الخطوة، فإنّ البلاد الواقعة في الجنوب سوف تسقط، عاجلاً أم آجلاً، في يد البرتغاليين. وإذا احتل مالكو أضخم أسطول بحري في ذلك الزمان الأراضي شرق المتوسط، فقد زاد الخطر على السلطنة العثمانية ووقعت أسيرة الضغط الأوروبي. لذا كان الهجوم لتعبئة فراغ البلاد العربية من أي حكم قوي قبل أن يستولي عليه “أسياد البحر”، فيحمي العثمانيون بالتالي سلطنتهم الناشئة بحزام جغرافي ضخم من المدن والصحارى.

أما المماليك، فكانوا قد وصلوا إلى الدرك الأسفل في قوتهم، وعرفوا في تلك الفترة الكثير من الفساد وسوء الإدارة والخلافات الداخلية، ولم تكن مواجهتهم لتقلق سليم الأول. حقق “أحفاد عثمان” فوزاً مظفراً في وجه المماليك، وجذوا رقابهم في معركة مرج دابق (سوريا) عام 1516 والريدانية (مصر) في العام الذي تلاه، ليعودوا ويسيطروا على كل البلاد الممتدة من أقاسي تونس إلى شرق العراق، بما فيها مدينتي مكة والمدينة.

مع السيطرة على هاتين المدينتين، باتت حماية الأماكن المقدسة من واجبات السلطان العثماني، الأمر الذي ألصق به المزيد من عناصر الهوية، والشرعية الدينية. زاد الأمر إلى حدود الواجب المقدس لاحقاً، حين أرسل شريف مكة في 17 تموز/يوليو 1517 مفاتيح الأماكن المقدسة إلى سليم الأول وأعلن خضوعه له، فبات السلطان العثماني خليفة للمسلمين. بذلك تكون الخلافة قد سُلبت من عربي لصالح تركي، وهو ما سيكون المحرك الأساسي لاحقاً للتمرد العربي ضد السلطنة العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى.

الفهم التركي لتاريخ العرب العثمانيين

عدا عن الهوية القومية للخليفة وأسلوب الدخول العثماني إلى الأراضي العربية، لأتراك اليوم نظرة خاصة إلى الأحداث التي جرت خلال تواجدهم في الأراضي العربية. يشكل “عيد الشهداء” الذي يحتفل به كل من لبنان وسوريا في السادس من أيار/مايو من كل سنة، واحداً من أمثلة كثيرة يمكنها إظهار الفرق بين النظرة العربية وتلك التركية إلى أحداث الماضي.

يعتبر الأتراك أنّ وجودهم في البلاد العربية لم يكن احتلالاً، وذلك بالاستناد إلى هوية المواطنين والقانون. لم يكن الجيش العثماني، وفق الأتراك، محتلاً لأناس من جنسية أخرى، بل كان الجميع يحملون الجنسية العثمانية. كان العراقي واللبناني والسوري والأردني والفلسطيني وغيرهم، عثمانيين كون العثمانية هوية وجنسية الدولة التي يعيشون فيها. الأمر الذي عنى أنّ الأفراد هم جزء من مواطني السلطنة، ولهم حقوق وواجبات كأي شخص تركي يعيش فيها. وعليه، إنّ نظرة الأتراك لإعدام جمال باشا (السفاح) للبنانيين والسوريين في بيروت ودمشق عام 1916 ما هو إلا عقاب طبيعي لخيانة من تعاون مع القنصليات الأجنبية زمن الحرب وفق المحكمة العرفية التي أدانتهم بالجرم. وهذا ما يتناقض، طبعاً، مع النظرة المقابلة التي ترى في إعدام “اللبنانيين والسوريين الأحرار” أسلوباً من أساليب الاحتلال ووسيلة من وسائل البطش.

تبعاً للمنطق التركي كذلك، فإنّ نظام السخرة الذي يُشار إليه في البلاد العربية اليوم، ما هو إلا تجنيد للعثمانيين الساكنين في البلاد العربية للدفاع عن سلطنتهم. يرى الأتراك أن دفاع العثماني عن سلطنته من أهم واجباته كمواطن، وليس، كما تراه الأنظمة وذاكرة الشعوب العربية، نوعاً من ظلم وتعدٍ على حقوق الأفراد ليموتوا عن دولة لا شأن لهم بها. بالنسبة للأتراك والقانون العثماني، فإنّ من واجب كل فرد يحمل الجنسية العثمانية أن يهب لتلبية واجب الدفاع عن سلطنته، أما وإن تخلّف، فإن القوانين العثمانية وظروف الحرب الضاغطة يمكنها إجبار السلطة على تجنيده بالقوة لحمل السلاح.

نظرة عميقة إلى مجمل الكتب والدراسات التركية الحديثة حول السلطنة العثمانية تقدم تبريراً لكل ما جرى خلال فترة التواجد في الدول العربية. ترى هذه الكتابات ذات التأثير القوي على آراء الأتراك، أن كل ما جرى كان طبيعياً، ولم يكن، بأي شكل من الأشكال، دكتاتورية فتكت بالعرب، إنما كان الجميع عثمانيين يتوجب عليهم الزود عن سلطنتهم والالتزام بالقوانين المرعية الإجراء.

تفتخر الرواية التركية الرسمية والشعبية بالتاريخ العثماني، وترى أنّ الأتراك قد قدّموا للعرب الكثير من الخدمات والفضائل، والتي تبدأ بالتنظيم الإداري المقونن ولا تنتهي عند حدود الرفع من شأنهم و”تمدينهم”. لكنها تقف متعجبة أمام “الخيانة” التي تعرضوا لها خلال تمرد الشريف حسين، وتراها محض عمالة مع الإنكليز والغرب للقضاء على عظمة السلطنة العثمانية والخلافة الإسلامية في مقابل حفنة من المكاسب الظرفية.

الطائفية كإرث عثماني

للوجود العثماني تأثير جلل على الشعوب والأنظمة العربية شرق المتوسط. إنّ التنظيمات الإدارية اللبنانية والسورية والأردنية والفلسطينية الحالية هي مزيج ما بين الإرث العثماني وتأثيرات الانتدابين الفرنسي والإنكليزي. لا يخلو الأمر من بعض التشريعات محلية الصنع، إلا أنّ البنية الأساسية للأنظمة الإدارية، من منصب المحافظ والقائمقام، إلى ديوانات الإدارة في الوزارات، ما هي إلا روافد من المصدر العثماني. حتى القوانين الحالية لم تسلم من هذا الإرث، ومنها “قانون الأراضي” الأردني المنسوخ عن القانون العثماني، وقانون “إنشاء الجمعيات” اللبناني المعمول به منذ العصر العثماني، وقانون “الوضع الراهن ـــ الستاتيكو” الفلسطيني الصادر عن السلطنة، والذي يوزع الحقوق على الجماعات الدينية التي كانت موجودة في مدينة القدس منذ العام 1852 وإلى اليوم، والكثير غيرها.

أما أهم تأثير عثماني على أنظمة شرق المتوسط العربية فهو الطائفية، ليس بوصفها حالة شعبية يشعر بها الأفراد كما الجماعات أمام خطر وجودي، إنما بوصفها نظاماً قائماً يحمي الطوائف ومصالحها. طبق العثمانيون، لفترات طويلة، نظام المِلل على الشعوب شرق المتوسط، فاعترف النظام الملّي العثماني بالإستقلال الداخلي لكل طائفة، وبحقها بإنشاء مدارسها ومحاكمها الخاصة، وبشرعية قوانينها الداخلية المعنية بالأحوال الشخصية، بالإضافة إلى إدارتها من قبل مجلس ملّي يمثل الطائفة أمام الحكومة العثمانية.

ورث لبنان نظام المِلل بأغلب تفاصيله وحافظ عليه، فبات لكل طائفة مجلسها الذي يحافظ على حقوقها المكتسبة في النظام السياسي. كما شرّع الدستور اللبناني ومجمل القوانين تنظيمات للأحوال الشخصية الخاصة بكل طائفة. وتحوّلت الطائفة، كذلك، إلى ممر إجباري لتمثيل اللبنانيين في الدولة، ضمن توزيع دقيق ومحفوظ لتمثيل كل جماعة، وضمن مهمة واضحة لكل ممثل لا تبتعد كثيراً عن حماية مصالح الطائفة داخل السلطة.

أما سوريا التي أخذت من العروبة نظاماً قاهراً للطوائف ومصالحها وهوياتها، فإنّ كل الحلول التي تُطرح اليوم لحل الأزمة السورية لا تشذ كثيراً عن إعادة إحياء نظام المِلل العثماني بنسخة سورية يعطي لكل جماعة طائفية وعرقية تمثيلاً في النظام السياسي وحرية أكبر في التعبير عن ذاتها. وفي العراق، فتتوزع المناصب الأساسية على الطوائف الكبرى، كما تترك مثلها مثل الأردن للطوائف والأعراق مناصب محفوظة لكل واحدة منها في مجالس النواب والمحافظات وغيرها.

إنّ الأنظمة الطائفية اليوم ما هي إلا صيغة مهجّنة من النظام الملّي العثماني، والذي يستمر بحكم الأنظمة السياسية شرق المتوسط على الرغم من دفن العرب والأتراك للسلطنة منذ قرن كامل. إنّ أي محاولة لتغيير الواقع العربي اليوم، لا يمكن إلا وأن تمر بإعادة البحث في تاريخ العرب العثماني. وهذا، بدوره، لا يمكن أن يتم من دون إعادة النظر بالمسلمات التاريخية العربية، وفهمها ليس وفق الرواية التركية أو روايات الأنظمة العربية، إنما وفق الحقائق التاريخية الدامغة وتأثيراتها المستمرة.

Leave a Reply