الغازي والدراويش… الطرق الصوفية التركية ترث ”غولن“

جو حمورة

نشر أولاً على موقع المراسل

تعددت وجهات الاتهام لمفتعلي المحاولة الإنقلابية في تركيا عام 2016. طالت سهام اللوم الولايات المتحدة الأميركية حيناً، والجماعات الصهيونية أحياناً أخرى. لكن أصابع الاتهام سرعان ما رست على الداعية الإسلامي فتح الله غولن. صب الحكم التركي جام غضبه على جماعة “الخدمة” المرتبطة به، فطرد أنصاره والمرتبطين به من كل مكان. أغلق مدارسه وجامعاته، صادر وسائل إعلامه ومستشفياته ودور نشره، وطرد عشرات آلاف الموالين له من الإدارات الرسمية. فيما بقي على الحكومة التركية تحقيق مهمة واحدة، وهي ملء المراكز الخالية بموظفين جدد أكثر ولاءً ووطنية.

شرَعت الحكومة سريعاً في البحث عن آلاف الموظفين، فوجدت بعضاً من ضالتها بالطرق الصوفية والمتحلقين حولها. أعطت الكثير من الوظائف البسطية إلى أتراك عاديين بعد إجراء مباريات وامتحانات روتينية، إلا أن الوظائف الأساسية أسندت إلى أنصار طرق صوفية مختارة بعناية. الركون لهذا الخيار ليس جديداً في البلاد، إذ إنّ جماعة “الخدمة”، التي شهدت ذروة قوتها البيروقراطية بين 2011-2016، هي فرع من الطريقة النورسية. كما أنّ الطرق الصوفية التركية تحمل إرثاً عريقاً من العمل الإداري، وتمتاز باجتذاب النخبة المثقفة والكفوءة والانتلجنسيا التعليمية والإعلامية، فكان لا مفر من توكيلها بالوظائف الرفيعة.

 

إرث الطرق الصوفية التركية: الحرب والإدارة

لعبت الطرق الصوفية دوراً محورياً خلال العصر العثماني. فكانت جيش السلطنة الخفي في بدايات التأسيس وفترة الفتوحات، ومن ثم إدارته المؤثرة يوم استقرت حدود الدولة العليّة وغلبت أهمية التنظيم والإدارة على حدة السيف ومنطق الحرب. يذكر المؤرخ التركي خليل اينالجيك في كتابه المرجعي “تاريخ الدولة العثمانية من النشوء إلى الإنحدار” كيف ازدهرت بين العثمانيين، خلال القرنين الثالث عشر والرابع عشر، عشرات الطرق، وأخذت مكاناً معتبراً لها بين القبائل التركية، وأثرت على أساليب عيشهم ومفاهيمهم للدين والحياة.

بالإضافة إلى تأثيراتها الدينية، لعبت الطرق دوراً عسكرياً كذلك. كان بعضها مثل القلندرية والحيدرية والأبدال والبابائية، وأتباع الطرق الحمزوية، يتجنبون كل أشكال الاستعراض في العبادات والمراسم الدينية، ويفضلون التزهد في الأماكن النائية البعيدة عن المدن. هذا البُعد عن المراكز الحضرية الأساسية أعطاها دوراً عسكرياً في الكشف عن الأعداء، وإبلاغ الأمراء بالهجمات المباغتة، وتبشير عابري السبيل بالإسلام. كما كانت تكاياهم وخاناتهم بمثابة مراكز عسكرية متقدمة لأغراض الحروب العثمانية ولتجنيد القبائل والبدو الرُحل.

من ناحية أخرى، لعبت طرق كالنقشبندية والمولوية والخلوتية وغيرها أدواراً في رفد الإدارة العثمانية بـ”جيش” من الموظفين بين القرنين الخامس عشر والثامن عشر. فسيطروا، تباعاً، على أهم الإدارات العثمانية، وباتوا من كبار رجال الدولة. كما لعبوا دوراً أساسياً في عملية أخذ القرار داخل أروقة قصور الحكم والصدر الأعظم، هذا طبعاً في حال كان السلاطين من هؤلاء الموسومين بقلة القدرة والحيلة والذكاء.

مع إنهيار السلطنة العثمانية، تداعى، بالتوازي، دور الصوفيين. لم يشفع لهم إرثهم العريق في التخفيف من عدائية مصطفى كمال “أتاتورك”. أمر مؤسس الجمهورية بإغلاق التكايا الصوفية في بلاده ومنعها من العمل منذ عام 1925، كما راح يؤلب الناس على رجال الدين ودراويش الصوفية وينتزع ممتلكاتهم لصالح الدولة.

لم تسلّم الطرق أمرها إلى حكام تركيا الجدد دون منازلة عسكرية، فقامت بثورة في ذلك العام عُرفت بثورة الشيخ سعيد النقشبندي. إلا أن أحداثها أخمدت دون أن يُكتب لها النجاح، فانتهى أمر “الشيخ سعيد” مُعلقاً على حبل المشنقة مع ستة وأربعين من رفاقه بعد أشهر من اندلاع القتال وسقوط آلاف القتلى. على الأثر، تراجع نفوذ الطرق الصوفية التي راحت تعمل سراً في الريف الأناضولي والمناطق البعيدة عن السلطة المركزية والمدن الكبرى. لم تمانع الدولة ترك هامش بسيط من الحرية والحركة لها في الأناضول، شرط التزامها عدم معارضة الحكم “الأتاتوركي” علناً أو استخدام العنف لمواجهته. فيما راحت الطرق تعمل على اجتذاب الطبقة المتوسطة والإنتلجنسيا التركية الناقمة على ديكتاتورية الحكم الجديد وعنفه، وتعد العدة للمواجهة القادمة.

مع تنظيم أول انتخابات تعددية، عمدت الطرق إلى الترويج والتصويت لـ “الحزب الديموقراطي” الأقل عدائية للدين، ففاز رئيسه عدنان مندريس برئاسة الحكومة التركية عام 1950. فما كان منه إلا أن عمل على رد الجميل لمن ساهم في إيصاله إلى الحكم، فاهتم بإعادة بعض رموز الدين إلى الفضاء التركي العام، وشجّع الطرق الدينية على العودة إلى لعب دورها الإجتماعي والدعوي.

مع عودة دخول الطرق الصوفية إلى ميدان العمل السياسي، بات التنظيم ضرورياً لتتحول من مجرد كتلة شعبية ناخبة خلال الإنتخابات، وجماعات دينية تنظم حلقات الذكر والرقص الفلكلوري، إلى تنظيم اجتماعي – اقتصادي ذات تأثير سياسي. فشهدت ستينيات وسبعينيات القرن الماضي بروز أطر مختلفة وجديدة لعمل الطرق الصوفية كان أبرزها مؤسسات “النوادي الفكرية” وتجربة الداعية الإسلامي فتح الله غولن في قطاع التعليم والإعلام والإدارة.

غولن المعلّم وأردوغان الغازي

لأن الحكم العلماني كان يمنع تأسيس الجمعيات الدينية، عمد معارضوه الصوفيون، وبخاصة النورسيون والنقشبنديون، إلى تأسيس نوادٍ فكرية في مجمل المدن. أخذت النوادي من المواضيع الثقافية عناويناً تمويهية لها، إلا أنها سعت، في حقيقة الأمر، إلى تعزيز تنظيمها، والتواصل مع المثقفين والنخب.

فكان “نادي المثقفين” و”النوادي المثالية” و”بيت المثقفين” و”جمعية نشر العلم” وغيرها المنشأة بين 1960-1970، الحيّز المثالي لاجتذاب النخبة الفكرية وطلاب الجامعات ومدرّسيهم. ضمّت النوادي عشرات الآلاف من الناشطين، وانتهى عملها بتثقيف جيل جديد من النخب الشابة المتأثرة بالطرق الصوفية والعقائد المحافِظة المعادية للـ”أتاتوركية”.

من ناحية أخرى، سعت الطرق، ومن يدورون في فلكها، إلى التأثير بعموم الأتراك وليس بالنخب فقط، فكان الداعية فتح الله غولن الذي شكل إحدى فروع الطريقة النورسية التي تأسست بعد وفاة بديع الزمان سعيد النورسي (1877-1960)، أبرز الناجحين في إحداث تأثيرات ملموسة في المجتمع. عمد الرجل، منذ عام 1969، إلى تأسيس دور للطلبة حول المدارس والجامعات والمهنيات، ثم راح يفتتح المدرسة تِلو الأخرى في القرى والمدن، إلى أن توسعت نشاطاته في الحقل التربوي والإعلامي مع تأسيسه لعشرات الجامعات ودور النشر والمحطات الإعلامية والصحف.

أنشأ غولن جماعة “الخدمة” وبات معلمها الروحي، وهي التي ضمت عشرات آلاف الأنصار والمعاملين في مؤسساته، كما في المؤسسات الرسمية. أعاد الداعية الإسلامي الهيبة للجماعات الصوفية، وأدخلهم في صلب العمل الإجتماعي والرعائي والخدماتي. بات يوصف بـ”الخوجا أفندي” بين أنصاره، ويقارَن بينه وبين الرهبانية اليسوعية العالمية في الإعلام الغربي، في إشارة إلى قدرته الضخمة على التأثير. عزز غولن من امبراطوريته الخدماتية بشكل كبير عندما وسع نشاطه التربوي خارج البلاد، وذلك حين أنشأ عشرات المدارس في دول القوقاز، كما في الدول الأوروبية التي يسكنها متحدرون من أصول تركية.

في المحصلة، أدى عمل الطرق الصوفية السري والعلني إلى إبعاد الناس عن العلمانية، وسحب بعض الشرعية والشعبية من الحكام والعسكر. فيما بات الأتراك، مع نهاية القرن الماضي، في حالة غربة عن علمانية الدولة بعدما أشبعتهم الطرق الصوفية ومؤسساتها الإجتماعية والثقافية والتربوية بالعقائد الدينية. أدى الأمر، في نهاية المطاف، إلى وصول حزب “العدالة والتنمية” ورئيسه رجب طيب أردوغان إلى الحكم عام 2002، وذلك بعد عام واحد فقط على تأسيسه. إنّ واحداً من أسباب هذا الفوز هو تعبيد الطرق الصوفية للطريق أمام أردوغان للوصول إلى السلطة، بعدما شكلت سلاحه السري الذي أرفده بالأصوات والدعم الإعلامي والدعائي.

على عكس صفة المعلّم الملصقة بغولن، يهوى الأتراك تسمية رئيسهم بالريّس حيناً وبالغازي أحياناً أخرى. هذ اللقب الأخير ذو المدلول العثماني والديني في آن، لم تحظَ إلا قلة قليلة من السلاطين بشرف التيمن به. يختلف مضمون المعنى العثماني القديم عن ذلك الحديث، والذي لا يعني غزو الأعداء، بقدر ما يتراوح معناه بين “غزو” الثقافة العلمانية والعودة إلى الدين، وبين تحديث تركيا ووضعها في مصاف الأمم القوية والمؤثرة.

باستثناء “الخدمة” و غولن، لا يختلف أردوغان والطرق صوفية كثيراً في ما يريدونه. قد يختلف مسار وأسلوب عمل كل طرف منهما، إلا أن الهدف الأخير واحد: تعزيز قوة تركيا وجعل نظام حكمها وسياساته يتناسب مع هوية الشعب الدينية والقومية.

يكن الغازي الكثير من المودة للحركات الصوفية. في حزبه تيار قوي يدور في فلك الطريقة النقشبندية، بينما له مع رئيس الجماعة الصوفية الإسماعيلية الرافدة من الطريقة النقشبندية، محمود أفندي، علاقات عميقة. فيما يسعى اليوم إلى تعزيز نفوذها ووجودها في الدولة، وذلك على حساب جماعة غولن.

السلطة توزع تركة غولن

مع إطلاق أول رصاصة خلال المحاولة الانقلابية عام 2016، انتهى التحالف بين أردوغان وغولن إلى غير رجعة. فشِل الإنقلاب، فطُرد “الغولانيون” من المؤسسات الرسمية، وراحت الحكومة تبحث عن بدائل لهم، فلم تجدها، بشكل عام، إلا في الجماعات الصوفية الأخرى.

تعلّم الحزب الحاكم من خطأه السابق، ووزع المناصب الأساسية في الدولة على مجموعات مختلفة، وليس على جماعة واحدة كما كان الوضع مع غولن. توزيع المناصب الحساسة على الجميع يضمن ولاء الجميع، كما يجعل الحزب الحاكم وأردوغان بمثابة واهبي العطايا، فيسعى الجميع للتقرب منهما وخدمتهما لتحصيل المزيد من النفوذ والمراكز. كما يضمن هذا الأمر عدم طغيان طريقة على أخرى، أو جماعة على أخرى، فتسير عجلة الدولة بسلاسة وانسياب. أما وإن وجِد من يخرج عن الخط المرسوم أو يعاند الحزب الحاكم، فيمكن التخلص منه بسهولة، دون أن يؤثر هذا الأمر على الدولة والناس بشكل ملموس.

في تركيا اليوم عشرات الجماعات المنتمية للطرق الصوفية، والتي تتمايز حول بعض التفاصيل المرتبطة بالنظرة إلى الحياة والدين والتنظيم الداخلي، والمنتشرة على كافة الأراضي التركية وخصوصاً في وسطها الأناضولي. تختلف المراجع والأبحاث في تحديد عدد أعضاء الطرق الصوفية الأهم كالنقشبندية والقادرية والرفاعية والنورسية والبكتاشية والمولوية وفروعها، أو عدد الذين يدورون في فلكها. يجزم البعض بأن العدد الإجمالي يصل إلى حدود المليون شخص، فيما يعتبر آخرون أن العدد يتجاوز الأربعة ملايين من المنتمين إلى الطرق أو المتأثرين مباشرة بها. مهما اختلفت الآراء حول الأرقام، إلا أن هذا العدد الضخم من المنتمين والمتأثرين بالصوفيين يحتم سعي الحزب الحاكم ليضمن ولاءهم.

حصلت الجماعة المسماة “مِنزل” الرافدة من النقشبندية على الكثير من النفوذ منذ العام 2016 وحتى اليوم. يذكر تقرير لصحيفة “بيرغون” التركية أن أعضاء هذه الجماعة المنتمين بشكل عام إلى الطبقة الوسطى، قد حصلوا على الكثير من الوظائف في وزارة الصحة ووزارة الضمان الاجتماعي بعد إخراج جماعة غولن منها. كما قامت “مِنزل”، في السنتين الماضيتين، بافتتاح محطة إعلامية وراديو، وجريدة وبضعة مجلات.

لجماعة “كوردولو” حصة من قالب جبنة السلطة والمراكز. هذه الجماعة حصلت لأعضائها على ترقيات مهمة في المؤسسات الأمنية، واستطاعت إدخال الكثير من أفرادها إلى السلك العسكري لتغطية الفراغ الذي تركه اعتقال وطرد آلاف المناصرين لجماعة غولن من الجيش والشرطة. وعلى الرغم من أنّ هذه الجماعة هي، كحال جماعة غولن، فرع من الطريقة النورسية، إلا أن “كوردولو” أكثر ولاءً للحكم، وأعضاءها ينتمون إلى الطبقات الفقيرة بشكل عام بحسب الصحفي في جريدة “حرييت” محمد يلماز.

أما الجماعة الإسماعيلية الرافدة من الطريقة النقشبندية، فلها علاقات متينة مع الحكومة، وحصلت على الكثير من الوظائف في الإدارات العامة والقطاع التربوي الرسمي، كما في وزارة الطاقة والموارد الطبيعية بشكل أساسي. لهذه الجماعة وجود قوي جداً في اسطنبول، وخاصة في منطقة “فاتح” الشعبية، وتعد من أبرز المؤيدين للحكومة التركية الحالية، ولا تتوانى عن تأييد الحزب الحاكم بشكل علني في الانتخابات النيابية والرئاسية.

كثير من الجماعات الأخرى أمثال “مشرتيف”، “نسيل”، “أرنكوي” و “اسكندر باشا” المنتمية إلى الطرق النورسية والقادرية والنقشبندية حصلت بدورها على وظائف ومراكز عدة في الوزارات التركية خلال العام 2017 والعام الذي تلاه. فتقاسمت تركة امبراطورية غولن فيما بينها، وإن بنسب مختلفة تبعاً لولائها وحضورها وحاجة السلطة لها.

تنقسم الجماعات الصوفية على بعضها البعض كل فترة، وتتغير الوظائف والخدمات الموزعة على كل واحدة منها. إلا أن مضمون وشكل علاقة الطرق الصوفية بالسلطة هو، في آخر عامين، الثابت الوحيد. تقدم السلطة المراكز في الدولة للطرق والجماعات الصوفية، فتكسب ولاءها السياسي وأصواتها، فتتفوق، بالتالي، في الانتخابات وتحافظ على سلطتها. فيما تحصل الجماعات على النفوذ وتزيد من حضورها وشبكة علاقاتها وقدراتها على التأثير، وسط دوامة من المنافع والخدمات والولاءات غير المنتهية بين السلطة والجماعات الدينية.

 

Leave a Reply