صعود رئاسة الشؤون الدينية: توجّهات سياسية وتقويض علمانية تركيا

جو حمورة

لا يزال تحديد هوية النظام التركي يثير الكثير من الإرباك لدى العالم. هل هو إسلامي أم علماني؟ أتاتوركي أم أردوغاني؟ يجاري التطوّر والحداثة أم يحلم بالعودة إلى الماضي والأصول؟ الإجابات قد تتشعب خاصة إن تم ربطها بهوية عامة الناس، وأغلبها يفيد بأن النظام التركي هو مزيج من العلمانية المؤسلمة والمؤطرة وفق هوية قومية خاصة. البحث عن الإجابة الشافية غير كامل، ولا ضرورة لكماله حتى، إذ أن النظام والشعب التركيان يعيشان حالات متغيّرة سريعة: القدسية التي أعطيت لمصطفى كمال بدأت بالتلاشي اليوم، منع رجال الدين من النشاط الاجتماعي شارف على الانتهاء، خطابات الكراهية ضد اليهود من على المنابر خبز يومي للساسة والإعلاميين، المؤسسة الدينية الرسمية تعززت قدراتها ونشاطاتها وكوادرها، وباتت على قدم وساق للتحوّل إلى لاعب سياسي واجتماعي بازر بعدما كانت مهمتها التبشير بالعلمانية وحب الوطن والمؤسسات العسكرية حصراً.

مع قدوم حزب “العدالة والتنمية” إلى الحكم عام 2002، اختار حكام تركيا الجدد أسلوباً جديداً لإدارة البلاد وتوجيهها عكس المسار العلماني الذي أرساه “أتاتورك”. هذا واستفاد قادة الحزب الحاكم من أخطاء القوى الإسلامية القديمة وبدأوا بتغيير هوية تركيا رويداً رويداً وبطريقة براغماتية خوفاً من دعسة ناقصة من هنا، أو صدام مع المؤسسات والقوى العلمانية من هناك. كما قدّم حزب “العدالة والتنمية” فهماً جديداً للعلمانية بالإطار التركي حيث اعتبر أنها مجرد “دعوة إلى العلم وتحرير الإنسان وعقله ورفض الأفكار التي تلغي حريته، كما واتباع العلم واكتشاف الحياة وتسخيرها لمصلحة الإنسان”[1] وذلك بعد أن أخرج منها التأثيرات والمفاهيم الأجنبية. كما سعى إلى تعزيز مكانة الدين بالشأن العام ورفض فصله عن الحياة، كما إلى إعطار دور أكبر للمتدينين ورجال الدين والمؤسسات الدينية في الحياة العامة[2]، وهذا ما بدأ يأخذ حيزاً مهماً ومؤسساتياً مع لعب رئاسة الشؤون الدينية لدور ضخم بدأ يتعزز ويزداد أثره في السنوات الأخيرة، وذلك خلافاً للدور التقليدي المنوط بهذه المؤسسة الحكومية.

تأسيس رئاسة الشؤون الدينية وأهدافها

تم إنشاء رئاسة الشؤون الدينية رسمياً عند إعلان الدستور التركي عام 1924 وأنيط بها بعض المهمات البسيطة تبعاً لسعي مصطفى كمال في حينها إلى إبعاد رجال الدين عن السلطة، والسيطرة على المؤسسات الدينية لفرض حكم يتناسب مع أفكاره الخاصة. قبل تلك الفترة، كان “شيخ الإسلام”، وهو موظف حكومي، يدير الشؤون المتعلقة بالإسلام في الدولة العثمانية، وله صلاحيات تتعلق بالإشراف على شؤون التعليم والقضاء إلى جانب الشؤون الدينية والأوقاف. وعلى الرغم من أن رئاسة الشؤون الدينية هي النسخة المؤسساتية التي حلّت مكان “مشيخة الإسلام”، إلا أن صلاحيات المؤسسة الجديدة كانت بسيطة ومُسيطر عليها من قِبل الحكومة العلمانية وتابعة إدارياً وقانويناً لرئاسة الجمهورية.

أما مهمتها القانونية فحددها قانون التأسيس رقم 429 في 3 أذار/ مارس الصادر عام  1924 بالتالي: “تسيير الأعمال الخاصة بمجال العبادات والاعتقاد في دين الإسلام، وإدارة المؤسسات الدينية.” ومنح القانون لرئاسة الشؤون الدينية مسؤولية إدارة المساجد وموظفيها[3]. إلا أن القانون لم يحدد وضع موظفي الرئاسة وفروعها، وبقوا دون تحديد قانوني إلى حدود العام 1927 حين تم وضع البنية الإدارية لرئاسة الشؤون الدينية وفروعها. ثم تبعها عام 1931 نقل موظفي رئاسة الشؤون الدينية والعاملين في المساجد إلى مديرية الأوقاف العمومية، فأصبحت الرئاسة بالتالي دون قدرة على الحركة وعاطلة عن العمل تقريباً، وذلك إلى العام 1950 حيث تمت إعادة مهام إدارة المساجد وموظفيها مرة أخرى إليها.[4] ويعود هذا الأمر بشكل أساسي إلى رغبة السلطة السياسية بوضع اليد على المؤسات الدينية كافة، خوفاً من ردة فعل تقوم بها القوى الإسلامية في مواجهة تأسيس الدولة على المبادئ العلمانية. وعلى الرغم من أن وضع يد الدولة على المؤسسة الدينية والتدخل في شؤونها مخالف أصلاً لمبدأ العلمانية القائل بضرورة فصل الشؤون الدينية وعن تلك السياسية، إلا أن المؤسسة السياسية والحكومية العلمانية ذهبت بعيداً في جعل رئاسة الشؤون الدينية أداة في التبشير بالعلمانية.

حدد دستور العام 1982 المعايير التي على لرئاسة الشؤون الدينية التقيّد بها أثناء أداء مهامها كالآتي: “على رئاسة الشؤون الدينية القيام بأعمالها ضمن إطار مبدأ العلمانية وذلك عبر حفظ التضامن الوطني والتكامل بعيداً عن كافة الآراء والأفكار السياسية”[5]. إلا أن قانون التأسيس والقوانين اللاحقة سمحت بتحويل رئاسة الشؤون الدينية الى أداة للتبشير بالعلمانية وبرؤى الدولة لهوية الأتراك والتركيز على حب الوطن والمؤسسة العسكرية ونبذ التطرف الديني. فيما بقي لرئيس الجمهورية الحق في تعيين رئيسها وتحديد مهمّاته، إضافة لتحديد مهمّات رجال الدين ومضمون خطبهم وتعاليمهم، ومنحهم رتباً ومعاشات على اعتبارهم موظفون حكوميون[6].

ومنذ ذلك التاريخ وحتى السنوات القليلة الماضية تم رفع عدد موظفي رئاسة الشؤون الدينية بشكل محدود، كما تم خلق فروعاً للرئاسة في الخارج وخاصة في أوروبا للاهتمام بالأتراك المهاجرين. ثم كان العام 2010، حيث تم تشكيل الهيكل التنظيمي الحالي للرئاسة وفقاً للقانون رقم 6002، والذي رفع مستواها التدرجي الهرمي من مديرية عامة إلى مستوى مستشارية، كما تم تشكيل أربع عشرة وحدة خدماتية جدية. وتم بموجب القانون الجديد تحديد مدة خدمة الرئيس بـ 5 سنوات قابلة للتجديد لمرة ثانية كأقصى حد وتخفيض عدد نواب الرئيس إلى ثلاثة، وتم أيضاً توسيع صلاحيات المؤسسة لتقديم خدمات دينية فعالة على المستوى المحلي والدولي، كما بات يمكن لرئاسة الشؤون الدينية تأسيس محطات إعلامية وتأمين خدمات دينية خارج المساجد[7].

زيادة تأثير رئاسة الشؤون الدينية واستغلالها

مع تغيير هوية حكام تركيا فُتح الباب واسعاً أمام رئاسة الشؤون الدينية للعب دور جديد في المجتمع التركي. فالمؤسسة الحكومية لم تعد مجرد إدارة ذات صلاحيات بسيطة وعدد قليل من الموظفين والكوادر، بل باتت اليوم تضم عشرات الآلاف من الموظفين ولها ميزانية ضخمة تعطيها إمكانية للتأثير في الشؤون الدينية والاجتماعية كما السياسية. وهي تلعب إلى جانب الحزب الحاكم، دوراً في تعزيز مكانة الدين في الشأن العام والحياة، وتدفع باتجاه التخلص من أثر العلمانية و “الأتاتوركية” السابق في المجتمع والدولة.

من ناحية الموازنة، زادت مصاريف رئاسة الشؤون الدينية أربعة مرات خلال عقد واحد من الزمن، وباتت ميزانيتها في العام 2014 مثلاً أكثر من 2 مليار دولار. أما عديدها، فوصل في العام نفسه إلى 120 ألف فرد، ما جعلها من أكبر المؤسسات التركية حجماً، متفوقة بذلك على وزارة الداخلية على سبيل المثال[8]. هذا ويتم اختيار موظفي رئاسة الشؤون الدينية والعاملين فيها بشكل أساسي من المتخرجين من مدارس “إمام-خطيب” الدينية المنتشرة بقوة على كافة الأراضي التركية، ومن المتخرجين من الكليات الدينية[9].

هذا التضخم في الحجم بدا متوازناً مع تضخم عدد المراكز الدينية من ناحية، كما ومع صعود النزعة الدينية لدى الأتراك خلال السنوات القليلة الماضية من ناحية أخرى. فمن جانب، زادت عدد المساجد التركية حوالى 9 آلاف بين العام 2005 و 2015، وهي مساجد جديدة أوكلت مهمة إدارة معظمها إلى رئاسة الشؤون الدينية[10]. كما زادت، من جانب آخر، حساسية الأتراك الدينية، وباتوا يهتمون أكثر بحفظ القرآن وممارسة الشعائر الدينية، والإهتمام بالأخبار والشؤون الإسلامية في دول الجوار، كما وإظهار عدائية بحق الأقليات وبعض الطوائف والأديان الأخرى. الأمر الذي يتلازم مع عمل الحكومات التركية الأخيرة في رفع منسوب التديّن في المجتمع، و “تنشئة جيل تقي”[11] على حد تعبير رئيس الجمهورية التركية رجب طيب أردوغان.

هذا وبدأت رئاسة الشؤون الدينية منذ العام 2010 الاستفادة من الظروف الإيجابية التي باتت تسمح لها بلعب دور أكبر في المجتمع التركي، فأنشأت محطة إعلامية “للإهتمام بالحياة الدينية للمواطنين” عام 2012، كما زادت نسبة منشوراتها وتواجدها الإعلامي وعلى وسائل التواصل الاجتماعي. بالإضافة إلى أنها باتت تضع عبارات “حلال” على المنتجات الغذائية، وخصصت خطاً ساخناً لتلقي استفسارات الناس الدينية والحياتية وتقديم النصائح لهم. من ناحية أخرى، زادت أعداد الفتاوى التي تصدرها رئاسة الشؤون الدينية في السنوات الخمسة الأخيرة بشكل راديكالي. وعلى الرغم من أن إتباع هذه الفتاوى هو اختياري وغير ملزم في تركيا، إلا أن هذه الفتاوى التي باتت تأخذ منحاً متشدداً أحياناً قد تؤثر على الأتراك المحافظون[12]. فتكون بالتالي قد زادت قدرة رئاسة الشؤون الدينية على التأثير في العامة أكان عبر الاعلام أو المساجد أو التواصل اليومي مع الناس.

مع انتهاج حزب “العدالة والتنمية” لسياسة داعمة للعب رئاسة الشؤون الدينية لدور ديني واجتماعي أكبر من المعتاد، برز ميل من الحزب الحاكم نحو إدخالها في الشأن السياسي والتشريعي. وكان أردوغان قد طالب أكثر من مرة من رئيس رئاسة الشؤون الدينية السابق “علي برداك أوغلو” إعطاء موافقة وتبرير ديني لبعض التشريعات القانونية، إلا أن هذا الأخير مانع إدخال مؤسسته في شؤون لا تعنيها، وعبّر أكثر من مرة عن “إن تدخل رئاسة الشؤون الدنية بالشؤون التشريعية مخالف للمبادئ العلمانية”[13]. فما كان من أردوغان إلا أن أقاله وعيّن نائبه “محمد غورميز” رئيساً لرئاسة الشؤون الدينية، والذي عادة ما يُلبي تمنيات وطلبات أردوغان والحزب الحاكم بشكل شبه دائم.

خلال ولاية “غورميز” التي بدأت عام 2010، جنحت رئاسة الشؤون الدينية إلى التدخل في الشؤون السياسية، فيوماً يعلن رئيسها أن بابا الفاتكيان “غير أخلاقي” لأنه اعترف بالإبادة الأرمنية[14]، وتارة تدين انتهاكات اسرائيل في مدينة القدس[15]، وغالباً ما تعتبر أن الداعية الإسلامي “فتح الله غولن” المتهم بالوقوف وراء عملية الإنقلاب الفاشلة عام 2016 رئيس جماعة إرهابية[16]. هذه المواقف ذات الطابع السياسي أدخلت رئاسة الشؤون الدينية في عالم السياسة من بابه الواسع، كما باتت مؤسسة تضفي نوعاً من الشرعية الدينية على أعمال الحكومة التركية. أما هذه الأخيرة، فتستغل المؤسسة الدينية الأولى في تركيا من أجل تعزيز مكانة الدين في المجتمع والقيم الدينية في الحكم، تماماً كما استغل “أتاتورك” رئاسة الشؤون الدينية عندما أسسها لنشر أفكاره العلمانية وحب الوطن وتقديس المؤسسة العسكرية.

 

توجّهات رئاسة الشؤون الدينية داخل وخارج تركيا

لم يقتصر عمل رئاسة الشؤون الدينية الجديد على التدخل في عالم السياسة عبر المواقف الإعلامية العامة، والتي تبقى ذات تأثير اجتماعي محدود. إنما قامت ليلة محاولة الإنقلاب في تركيا بإذاعة بيان وتكبيرات من كافة مساجد تركيا تحث المواطنون على النزول إلى الشارع للدفاع عن الشرعية، الأمر الذي ساهم بشكل مباشر بفشل المحاولة الإنقلابية عام 2016. وكان “غورميز” قد أصدر تعميماً أجبر فيه جميع آئمة تركيا على التوجّه إلى مساجدهم لدعوة الناس إلى النزول إلى الشارع والتصدي للجيش الإنقلابي باللحم الحي[17].

من جانب آخر، لم يعنِ اهتمام المؤسسة بالشؤون الدينية والسياسية إغفالها للمجالات آخرى، وخاصة مجالات التربية والتعليم والتأثير خارج تركيا. من ناحية التربية والتعليم، زادت أعداد مدارس “إمام-خطيب” الدينية في تركيا خلال السنوات القليلة الماضية، وباتت تحظى برعاية إضافية من الجهات الرسمية ومن بينها رئاسة الشؤون الدينية. فخلال العام 2016 فقط، تم افتاح حوالى 1000 مدرسة جديدة ضمت أكثر من 75 ألف طالب جديد، فارتفع بذلك عدد مدارس “إمام-خطيب” إلى  أكثر من 4 آلاف مدرسة[18]. أما متخرجوها فسينضم عدد كبير منهم إلى رئاسة الشؤون الدينية فيكونون بذلك من كوادرها الإدارية أو العاملين فيها في المستقبل. كذلك الأمر، واكبت رئاسة الشؤون الدينية توجّهات وزارة التربية ودفعت في اتجاه إلغاء بعض المقررات التعليمية للطلاب، فألغت مثلاً تعليم نظرية “داروين” حول التطور، واستبدلتها بمواد إسلامية في صفوف عدة[19]. هذا وكانت تركيا قد أدخلت الكثير من المواد الدينية إلى المقررات التعليمية بين عامي 2012 و 2015، وذلك عملاً بتوجيهات الحكومة ومؤسسة رئاسة الشؤون الدينية.

من ناحية أخرى، تسعى رئاسة الشؤون الدينية إلى “أن تكون مصدر إلهام للمنظمات الدينية في الغرب كما في العالم الإسلامي” حسب تعبير “غورميز”. والذي اعتبر أن واحدة من أهداف مؤسسته الدائمة هو إلغاء كافة الحواجز القانونية والسياسية الموضوعة أمام تعميم التعليم الديني في المدارس التركية[20]. وهو مطلب الأحزاب والمؤسسات الإسلامية الملح في تركيا، والتي لا تزال تعانده المدارس والجامعات الخاصة الواقعة بمجملها ضمن نفوذ القوى العلمانية والمتمولون الأجانب.

أما في الخارج، فبات حضور رئاسة الشؤون الدينية قوياً في السنوات القليلة الماضية، حيث بات لها مكاتب وفروع في معظم الدول الأوروبية. ففي ألمانيا وفرنسا والنمسا وبلجيكا، كما في أوزبكستان وآذربجيان وكازاخستان، تواجه رئاسة الشؤون الدينية تنافساً حاداً مع الطرق الصوفية والجماعات الدينية التركية المنتشرة بقوة بين المهاجرين الأتراك. وعلى الرغم من أن هذه الطرق والجماعات كانت قد ثبتت أقدامها بين المهاجرين منذ سبعينيات القرن الماضي، إلا أن دخول رئاسة الشؤون الدينية في السنوات الأخيرة على خط هذا الصراع زاد من الحدية بين المؤسسات والقوى الإسلامية المختلفة لبسط نفوذها في الخارج. كما أعطى لرئاسة الشؤون الدينية فرصة لتوسيع تأثيرها الخارجي، وذلك لإمتلاكها شرعية من السلطة التركية من ناحية، كما للأموال اللازمة لتنظيم نفسها والعمل بشكل ناشط أكثر من ناحية أخرى[21].

ويعود قسم من هذا الاهتمام التركي بالمهاجرين إلى النفوذ الكبير الذي تتمتع به جماعات دينية أخرى ممنوعة أو مكروهة من قِبل الحكم التركي، وبعضها طرق دينية لها نظرات مسالمة وانفتاحية جداً، وغيرها ذات ميول متطرفة ودموية، فيتحول التنافس على ولاءات الناس الدينية إلى صراع مسالم خارج أوروبا بدل أن يكون في الداخل التركي. كما تهتم رئاسة الشؤون الدينية في الحصول على نفوذ في الخارج لحسابات سياسية تفيد الحزب الحاكم، وهي تتعلق بالتصويت في الإنتخابات الداخلية التركية الدائمة، كما في أمور أخرى ترتبط بعلاقة تركيا مع أوروبا وحاجة هذه الأولى إلى كتلة شعبية تعطي ولاءها للحكومة التركية وتضغط على الحكومات الأوروبية عند الحاجة.

في المقابل، تتعرض رئاسة الشؤون الدينية إلى انتقادات من أوساط القوى العلمانية، وهي انتقادات تتخطى دور المؤسسة بذاته في المجال الديني أو السياسي، وتطال أسلوب حياة البذخ والرفاهية الذي يعيشه مسؤولي هذه المؤسسة، كما ممتلكاتها المادية التي تضم طائرات خاصة قدمها أردوغان إلى “غورميز”[22]. إلا أن الإنتقادات الأساسية التي تطال هذه المؤسسة فتتعلق بدورها المتعاظم في الشأن التركي العام، والذي يتخطى مسؤوليتها التقليدية والتاريخية في الاهتمام بالأمور الدينية حصراً، والتي باتت تهتم بالسياسة والتعليم وبسط النفوذ بين أتراك الخارج.

على العموم، لا تتعارض اليوم توجّهات رئاسة الشؤون التركية مع سياسة الحكومة التركية بتاتاً. وهذا الأمر ليس نابعاً من كونها مؤسسة رسمية فقط، إنما لأن مصدر قوتها الجديد والمتعاظم نابع من إرادة الحكم التركي في جعلها قوية وقادرة. في الداخل، تسعى المؤسسة الدينية إلى توسيع إطار نشاطاتها وتأثيرها على مجمل الشؤون الحياتية والدينية والاجتماعية والتربوية مستفيدة من الميزانية الضخمة التي ترفدها بها الحكومة التركية، كما باتت تتدخل بشكل مباشر في الشؤون السياسية وتصبغ الحكم التركي بالمزيد من الشرعية، وهو أمر يقوض العلمانية ومبادئها الأساسية. أما في الخارج، فتزيد المؤسسة من نفوذها بين الأتراك خدمة لسياسات الحزب الحاكم في اضعاف الجماعات الدينية الأخرى، كما خدمة للحكومة التركية في ملف العلاقة مع الدول الأوروبية. في حين أن الحكم يستفيد من رئاسة الشؤون الدينية في مجالات عدة، تبدأ بإعطاءه شرعية وشعبية وتنفيذ سياساته التربوية، ولا تنتهي عندما يتم مواجته بإنقلاب عسكري.

جو حمورة، صعود رئاسة الشؤون الدينية: توجّهات سياسية وتقويض علمانية تركيا، المفكرة القانونية، 29 أيلول 2017.

 

Leave a Reply