حقوق الأطفال في تركيا: أولوية الإيديولوجيا والاقتصاد على حقوق الإنسان

جو حمورة

تتعد الأزمات والمشاكل التي يعانيها ويناقشها الأتراك هذه الأيام. ما عادت هموم السياسة والاقتصاد والحرب مع الأكراد لوحدها مواضيع لنقاشهم اليومي. بل باتت مواضيع أكثر إرتباطاً بالناس تُقرأ على الصفحات الأولى من الجرائد ووسائل التواصل الاجتماعية، وتخلق أفعالاً وردود أفعال تؤثر على النقاش الدائر في المجتمع. يمكن لهذه المواضيع أن تتعدد وتطال قضايا خاصة وعامة وحساسة، والتي يمكنها أن تبدأ بمظاهرات وصدامات مع الشرطة تستمر لأيام بسبب اقتلاع شجرة واحدة في ساحة عامة، ولا تنتهي بقضايا تمس جوهر الدين وعلاقة تشريعاته بالدولة. على هذا المنوال، أخذ مؤخراً موضوع حقوق الطفل تغطية كبيرة في الفضاء التركي العام، وحيزاً مهماً من النقاش القانوني والتقارير المحلية والحركة المطلبية. وكما كل قضية تقريباً، فإن ظهورها في مقدمة الاهتمامات العامة مرتبط بحدث محرك ما، والذي كان، في هذه الحالة، نشر صور للممثل التركي “مراد باش أوغلو” في أوضاع حميمية في مكان عام مع إبنة أخيه غير البالغة. ثم تطور هذا الخبر وما خلقه من ردود أفعال إلى نقاش عام حول قضايا تتعلق بالحماية القانونية للأطفال، والزواج المبكر، والاعتداءات الجنسية، وعمالة الأطفال الأتراك واللاجئين السوريين.

حقوق الطفل في القانون التركي

إن أبرز التشريعات التي أقرتها تركيا فيما خص حقوق الطفل تمت خلال السنوات الأولى من تسعينيات القرن الماضي. قبل تلك الفترة، قامت الجمهورية التركية منذ العام 1928 بإعطاء بعض الأهمية لحقوق الطفل فيها، ووقعت على “إعلان جنيف لحقوق الطفل” وهو الإعلان العالمي الأول الذي طال حقوق الأطفال بشكل واضح وصريح[1]. بالإضافة إلى ذلك، قامت الجمهورية الناشئة بإدخال بعض التشريعات إلى قوانينها حول الأطفال أو وافقت على إعلانات عامة كانت تقوم بها أوروبا، إلا أن هذه التشريعات بقيت إجمالاً حبراً على ورق وقليلة التطبيق بشكل عام.

يرى الكثير من الناشطين الاجتماعيين الحاليين والسابقين أن الواقع القانوني لحقوق الأطفال والمرأة لم يعكس حقيقة المجتمع، إذ لم يطبق الكثير منها في معظم الحالات. وكان هدف حكام تركيا، بشكل عام، إقرار المواثيق العالمية والأوروبية للإثبات للعالم ولأنفسهم أن تركيا جزء من الحضارة الغربية[2]. كما بقي العيد الوطني المعروف بـ”يوم الطفل” ذو الأهمية الكبيرة في تركيا، أقرب إلى فلكلور سنوي وأداة إيديولوجية، حيث تقوم السلطة بإعطاء الأطفال بعض الإهتمام الإعلامي والاحتفاء بهم سنوياً، وهذا بعدما تكون قد قامت بأدلجتهم طوال العام الدارسي على تقديس مصطفى كمال “أتاتورك”، الجيش والعلمانية.

من ناحية أخرى، لم تؤمّن القوانين الحماية القانونية بشكل كافٍ، إذ بقيت نسبة عمالة الأطفال كبيرة في مجتمع يشكل غير البالغون (من 0 إلى 14 عام) النسبة الأكبر منه، والتي تصل اليوم إلى حوالى 26 بالمئة من مجمل السكان[3]. ومرد ذلك يعود إلى موجة النزوح الضخمة التي شهدتها تركيا بين السبعينات وحتى حدود السنوات القليلة الماضية، حيث كانت العائلات الريفية تتوجه إلى المدن طمعاً بالفرص والتقديمات الاجتماعية والاقتصادية فيها، فينتج عن ذلك ميلاً لدى العائلات النازحة إلى توجيه أولادهم إلى العمل الباكر في مجتمع صاعد يحتاج اقتصاده إلى كل يد عاملة متوفرة. هذا بالإضافة إلى بقاء وضع الأطفال في القرى الريفية والمدن الصغيرة أسوأ مما هو عليه في المدينة الكبيرة بشكل عام، فيما بقيت، في نفس الوقت، ظاهرة الزواج المبكر منتشرة بكثرة في الأناضول وشرق تركيا.

في العام 1990، أقرت تركيا “اتفاقية حقوق الطفل” الصادرة عن الأمم المتحدة على الرغم من المعارضة الداخلية لها. وقد تضمنت هذه الاتفاقيات مواضيع وبنود لم تُشمل بشكل وافٍ في الاتفاقيات السابقة، وهي طالت مواضيع كحقوق الأطفال أثناء الإحتجاز وبعده، والإغاثة بعد الزلازل والكوارث الأخرى، والعنف ضد الأطفال في المنزل والمدرسة والمجتمعات المحلية، وموضوع التشرد. ولعبت هذه الإتفاقية دوراً أساسياً في تعزيز حقوق الأطفال وحمايتهم، وأثبتت مؤسسات الدولة جديتها في هذه الأمر خلال التسعينيات وحققت بعض النجاحات، إلا فيما يتعلق بثلاثة مواد ذُكرت في الإتفاقية والتي تتعارض مع سياسة الدولة التركية وقوانينها الأساسية.

على الرغم من إقرارها الإتفاقية كاملة، إلا أن المواد (17، 29، 30) منها شكلت أزمة بالنسبة لإيديولوجية الدولة التركية لأنها تتعلق بحماية وتعزيز الهوية الثقافية والإثنية للأطفال. فالمادة رقم 17 أكدت على حق الطفل في الوصول إلى المعلومات من الوسائل الإعلامية المحلية والدولية وخاصة تلك المعلومات التي تتعلق بهويته الثقافية والقومية والدينية والخاصة. كما أقرت ضرورة تشجيع الدولة للوسائل الإعلامية الرسمية على بث برامج في لغات الأقليات لكي يحافظ أطفالها على هوياتهم، وهو ما يتعارض مع سياسة تركيا الرسمية خلال الفترة الماضية، والتي لم تكن تسمح بأي بث للغة الكردية أو الزازاكية أو غيرها أو استعمالها في أي وسيلة إعلامية.

كذلك الأمر، ركزت المادتين 29 و 30 على حقوق الطفل في التعليم، ومنها إجراءات يجب على الدولة أن تأخذها تؤدي إلى احترام لغات وهويات الأطفال الخاصة. وهو ما عني عملياً السماح للأقليات التركية المعترف فيها (الأرمنية واليهودية واليونانية) بالمزيد من الحرية في التعليم، والسماح للأقليات الأخرى غير المعترف بها بالحق بالتعليم تعزيزاً لهويتها[4]. كما عنت هاتان المادتان احترام الأطفال المنتمين للأقليات الكردية وغيرها في المدرسة الرسمية والمعاهد، وهذا أمر لم يكن مطبقاً يوماً، إذ كانت تركيا، وحتى العام 1991، تعاقب من يتحدث اللغة الكردية في الشارع حتى، وتمنع، إلى حدود العام 2013، اللغة الكردية في المدارس.

مع وصول حزب “العدالة والتنمية” إلى الحكم عام 2002، تم تحسين ظروف الأطفال قليلاً، وبات العدد الأكبر منهم محمي قانونياً ولبعضهم الحق في تعلم لغته في المؤسسات التعليمية. إلا أن مشاكل أخرى مرتبطة بحقوق الأطفال الأتراك بدأت تطفو على السطح وتأخذ حيزاً من السخط والمطالب والتشريع، ومنها الاعتداءات الجنسية عليهم.

الاعتداءات الجنسية على الأطفال

تشكل الاعتداءات الجنسية على الأطفال مادة دسمة للنقاش العام في تركيا هذه الأيام. صحيح أن هذه الظاهرة لم تختفِ يوماً أكان في الماضي أو الحاضر، وكانت حتى جزء من التراث العثماني وتنظيمات قصوره، إلا أنها تبدو كثيرة في الفترة الحالية، وذلك مرده إلى تسليط الإعلام والجمعيات الضوء عليها.

تشهد الأرقام على عمق الأزمة التي يعيشها أطفال تركيا. ففي العام 2014 مثلاً، تم رفع حوالى 18 ألف قضية اعتداء جنسي على الأطفال[5]، وهو رقم يعود للدعاوى فقط، وليس لمجمل الاعتداءات التي قد تصل إلى مئة ألف في السنة وذلك بسبب ميل الأطفال وأهلهم غالباً إلى عدم رفع دعاوى فيما خص هذا النوع من الإعتداءات. كما أن هناك قضايا أخرى متعلقة بالاعتداءات الجنسية على الأطفال أخذت بُعداً وطنياً، ومنها تحرش أستاذ بحوالى 45 طفل في مدرسة خاصة في مدينة “كرامان” جنوب تركيا[6] عام 2016، ورجال دين يتحرشون بالأطفال في المساجد أو في رجال أمن في السجون.

ترافقت الضجة الإعلامية التي أثارتها هذه الأحداث عام 2016 إلى تقديم الحكومة بمشروعا قانونان من أجل حماية الأطفال، وذلك عبر زيادة العقوبات على المعتدين. القانون الأول أقر زيادة الحد الأدنى للأحكام بالسجن في قضايا التحرش بالأطفال الذين تقل أعمارهم عن 12 سنة من ثلاث إلى خمس سنوات، وزاد الحد الأدنى للأحكام بالسجن بجريمة الاعتداء الجنسي على الأطفال دون سن الـ12 من ثمانية إلى 10 سنوات، كما الحد الأدنى للأحكام بالسجن بالنسبة للمذنبين بارتكاب اعتداء جنسي كبير ضد الأطفال دون سن الثانية عشرة من 16 إلى 18 سنة[7].

أما القانون الآخر الذي لم يتم التصديق عليه، فهو قانون تقدمت به الحكومة ويسمح بحماية المعتدي الجنسي من العقاب في حال تزوّج من ضحيته. وهذا ما أثار أزمة في البرلمان التركي وتحركات شعبية، وأدى حتى إلى انقسام نواب الحزب الحاكم في الرأي وتصويت بعضهم ضد هذا القانون في مخالفة لسياسات حزبهم. إنتهى الأمر بأن تم سحب مشروع القانون من التداول ووضع في أدراج الانتظار[8]، ليعاد إقراره لاحقاً ربما.

من جانب آخر، لا يوجد في تركيا قانون واضح يتعلق بتصوير المواد الإباحية المتعلقة بالأطفال، إنما تُضم هذه المخالفة إلى ممارسة الفحشاء والاخلال بالآداب العامة مثلها مثل الحالات الأخرى. ويبرز تقرير أعدته جمعية “مبادرة أنقرة لحقوق الطفل” إلى غياب قوانين أو إجراءات للتعامل مع مشاركة من هم دون السن القانوني في الأفلام الإباحية، ومنها: غياب الرقابة على محتوى المواقع الإلكترونية، وغياب نص قانوني ينظم عمل مقاهي الإنترنت، هذا وسط غياب أرقام دقيقة من قبل وزارة الداخلية فيما يخص مشاركة الأطفال في الأفلام الإباحية. بالإضافة إلى ارتفاع عدد الأطفال الذين يعيشون أو يعملون في الشوارع، الأمر الذي يجعلهم معرّضون بشكل أسهل لاستخدامهم في إنتاج المواد الإباحية، كما إلى غياب أي خطة عمل وطنية لمكافحة استغلال الأطفال في المواد الإباحية التي تشمل جميع قطاعات المجتمع[9].

الزواج المبكر وغياب تعريف موحّد للسن القانوني

يُشكل الزواج المبكر واحداً من المشاكل التي تتعلق بحقوق الأطفال. وعلى الرغم من أن معدله انخفض بشكل عام خلال العقود الماضية، إلا أنه لا يزال يُمارس في تركيا، وخاصة في القرى النائية، وبين الأقارب والجماعات الإسلامية المتطرفة، وهو لا يُسجل في حينها في الدوائر الرسمية، لأنه غير قانوني.

لا تقوم الدولة التركية بمكافحة هذه الظاهرة بشكل جدي، وتفضل، إلا في حالات استثنائية، ترك المجتمع والعائلات تتدبر شؤونها، خاصة أن الزواج المبكر والإنجاب الكثيف هو واحد من مشاريع الاجتماعية والأهداف الاقتصادية للحكومات التركية. وهي التي تسعى إلى رفع نسبة الإنجاب عند الأتراك ضمن سياسة “ثلاثة أو أكثر” طمعاً بتعزيز الاقتصاد في المستقبل وابقاء الشعب التركي شعباً فتياً.

تبرز مشكلة قانونية أخرى متعلقة بهذا الموضوع، وهي تدور حول ضياع القانون التركي في موضوع السن القانوني للزواج. إذ أنه تم رفعه في العام 2002 إلى سن الـ17 للرجال والنساء بحسب القانون المدني التركي (مع إمكانية أن يكون 16 سنة في ظروف استثنائية تحددها المحكمة)، إلا أنه بقي السن القانوني 15 سنة بالنسبة للفتيات في قانون العقوبات التركي، و 18 سنة للرجال والنساء في قانون حماية الأطفال واتفاقية حقوق الطفل التي صادقت عليها تركيا. وعليه فإن غياب التحديد القانوني الواضح لسن الزواج يشكل أزمة عند المحاكمات تبعاً لاختصاص كل محكمة.

تلعب “رئاسة الشؤون الدينية” دوراً في هذه المجال عبر إصدارها فتاوى (غير ملزمة) ترفض الزواج المبكر[10]، وهو أمر مرتبط بخلافاتها مع الجماعات الإسلامية المتطرفة. إلا أنه ليس للشؤون الدينية أو المؤسسات الدينية أي تأثير على الأمر أكثر من إعطاءها رأياً يُفضل أن يؤخذ به، حيث يبقى الزواج الرسمي في تركيا زواجاً مدنياً، فيما الزواج الديني، إن تم، فلا أثر قانوني له وهو شكلي لا أكثر.

من ناحية أخرى، تشهد تركيا نمطاً جديداً من الزواج المبكر، والذي يتم بين رجال أتراك (كبيرون في السن غالباً) وفتيات سوريات من اللاجئين أو من الذين يتم جلبهنّ من سوريا، لبنان أو الأردن وذلك طمعاً بالجنسية التركية والإستقرار. وهذا ما يتم ضمن زيجات شكلية تعتمد على المال الذي يُعطى للعائلات السورية بشكل أساسي، وتستمر لعدد محدود من سنوات، إلى حين بلوغ الفتاة السن القانوني وإجراء الزواج الرسمي.

عمالة الأطفال واللاجئين السوريين

يواجه الأطفال الأتراك الكثير من المشاكل الأخرى، وخاصة فيما يتعلق بالعمالة في سن مبكرة. وعلى الرغم من أن 7% فقط من الأتراك يعيشون تحت خط الفقر، وهو رقم جيّد نسبياً، إلا أن أولاد هؤلاء العائلات وغيرهم يعملون بكثرة منذ سن صغيرة. الأمر الذي يؤدي إلى فقدان معظمهم لحقوقهم في الدراسة والطبابة، ولجنوح بعضهم إلى ممارسة الجريمة لاحقاً. هذا في وقت لا يحصل حوالى 5 بالمئة من مجمل الأطفال الأتراك على أي تعليم، على الرغم من أن التعليم هو إلزامي في البلاد[11].

تقدر “منظمة العمل الدولية” نسبة الأطفال الذين يعملون بحوالى 3 بالمئة من مجمل أطفال تركيا، وهو رقم قد يصل إلى مئات الآلاف في مجتمع ضخم وفتي كالمجتمع التركي. وعلى الرغم من اختلاف المعايير فيما بين المنظمات والمؤسسات عند إجراء الاحصاءات والتخمينات، يؤكد وزير العمل والضمان الاجتماعي أن عدد الأطفال العاملون في تركيا وصل إلى 100 ألف عام 2012، فيما تؤكد مؤسسات إحصائية رسمية أخرى أن عدد الأطفال الذين يعملون يصل إلى حدود الـ900 ألف، موزعون على 44 بالمئة في القطاع الزراعي، 24 بالمئة في القطاع الصناعي، و31 بالمئة في قطاع الخدمات[12].

وبحسب القوانين التركية، فإن هؤلاء الذين أكملوا تعليمهم الإبتدائي وتخطوا سن الـ14 يحق لهم العمل. كما يتم في التعريف القانوني الفصل بين هولاء الذين هم تحت الرابعة عشر من العمر وهؤلاء الذين هم بين هذا العمر والثامنة عشر، إذ يصنف النوع الأول بـ”طفل عامل”، والنوع الثاني بـ”شاب عامل”. إلا أن النوعان لا يحق لهما العمل قانوناً إلا في وظائف “لا تؤثر على تقدمهم العلمي والدراسي”، كما يُمنع على أرباب العمل توظيفهم في أعمال تعتبر ثقيلة أو خطرة[13].

وعلى الرغم من بعض الإجراءات التي أخذتها وزارة العمل والضمان الاجتماعي، والتي كانت أبرزها التشدد في تطبيق بعض القوانين، وتنفيذ زيارات مفاجئة لأماكن العمل، إلا أن انتهاكات جسيمة لا تزال تطال حقوق الأطفال. وقد لخصت “الشبكة الدولية لحقوق الطفل” في تقرير لها أبرز هذه الانتهاكات، ومنها: أن العقوبات الجسدية لا تزال ممارسة بكثرة في المنازل وبنسبة أقل في المدارس، واستمرار الزواج القسري والمبكر وخاصة للفتيات القاصرات، وبقاء تنفيذ جرائم الشرف التي يذهب ضحيتها أطفال أحياناً. كما إلى استمرار وجود قوالب نمطية تفرق بين الجنسين، كتفضيل الأهل تعليم أبناءهم الذكور على الإناث، والإتجار بالأطفال لأغراض جنسية. هذا بالإضافة إلى عدم كفاية الإمكانات المتاحة للأطفال المنتمين إلى مجموعات عرقية لتعلم لغتهم الأم، وسوء معاملة الأطفال المحتجزين، وإفلات رجال الأمن من العقاب على الوحشية التي يمارسوها ضد الأطفال، وعدم كفاية الحماية للأطفال العاملين وغيرها[14].

أما ظاهرة الأطفال السوريين العاملين في تركيا فقد ازدادت بشكل كبير في السنوات القليلة الماضية التي تلت الحرب السورية. وعدا الظرف الاجتماعي والاقتصادي السيء لحياة اللاجئ بشكل عام، يعود جزء من هذا الأمر إلى أن حوالى 9 بالمئة فقط من اللاجئين السوريين المسجلين في تركيا (2.3 مليون) يعيشون في المخيمات حيث هناك إمكانية لتقديم لهم المساعدات الغذائية والحياتية الأساسية. فيما يقدر “مركز الدراسات الاستراتيجية في الشرق الأوسط” بأن حوالى 250 ألف من السوريين يعملون على الأراضي التركية بشكل مخالف للقانون، وسط تفشي ظاهرة عمالة الأطفال فيما بينهم وخاصة في قطاع المنسوجات[15].

يعود تفضيل بعض الشركات التركية لتوظيف اللاجئين إلى تدني قيمة الأموال التي يقبلون بها للعمل، كما إلى عدم الحاجة إلى إعطاءهم ضمانات صحية ووظيفية أخرى، وسهولة التخلي عنهم. من ناحية أخرى، لا تقوم الدولة التركية بالكثير من أجل منع عمل اللاجئين السوريين، لأنها بحاجة إلى يدهم العاملة الرخيصة لتعزيز اقتصادها وخاصة قطاع المنسوجات. وهذا لا يشذ كثيراً عن أولوية الاقتصاد الدائمة على حقوق الإنسان في سياسات الحكومة التركية.

جو حمورة، حقوق الأطفال في تركيا: أولوية الإيديولوجيا والاقتصاد على حقوق الإنسان، المفكرة القانونية، العدد 9، تونس، تشرين الثاني، ص. 18-19.

 

Leave a Reply