مقابلة على موقع “ليبانيز كورا” في 2 كانون الثاني 2017

 مقابلة على موقع “ليبانيز كورا” حول الإرهاب في تركيا وعملية الإعتداء على ملهى “رينا” الليلي تحت عنوان: تركيا تعيش أزماتها في الامن والهوية والخطاب (المقال بقلم الصحافي جورج خليل)

أبت السنة الجديدة أن تحلّ “برداً وسلاماً” على الدولة التركية التي واجهت أسوأ مخاوفها صباح اليوم الأوّل من العام الجديد. فالمسلسل الأمني المتنقّل الذي قضّ مضاجع الأتراك لأكثر من أشهر، باغت المحتفلين بقدوم سنة 2017 في ملهى ليلي داخل اسطنبول، وأوقع حوالي 39 قتيلاً (بينهم 3 لبنانيين) وعشرات الجرحى (بينهم ستة لبنانيين أيضاً). ملهى “رينا” الذي اختار الإرهاب أن يترك بصمته الدموية فيه، شكّل نقطة ربط مكاني وزماني للأحداث الأمنية في تركيا.

1049172902

فهو في البداية أزال أي فاصل زمني مفترض بين سنة آيلة إلى الانتهاء وأخرى مشرفة على المجيء. وبذلك أثبت الإرهاب في ذلك الملهى أنّ روزنامة القتل لديه لا تقيم وزناً محسوساً للروزنامة الزمنية، بل على العكس من ذلك، تقوم على ربط السنوات ودمجها في مشهد لامتناهٍ من العنف القاني. وبيّن “رينا” أيضاً أنّ بإمكان الإرهاب ضرب مدينة رمزية كاسطنبول لأكثر من مرّة. فأصبحت الأخيرة محطّ استهداف متنقّل بغضّ النظر عن نوعيّة “المسرح” الذي يتمّ ضربه، أكان ملهى للتسلية أو حتى مطاراً بحجم مطار أتاتورك.

أطلق الانقلاب الفاشل داخل تركيا في تمّوز الماضي، سلسلة تفاعلات عرّضت المجتمع التركي لمختلف أنواع “الرياح الأمنية” الغربية والشرقية والجنوبية. فحملة التطهير داخل المؤسسات الأمنية وعلى رأسها الجيش والشرطة، عقّدت عمل المفاصل الاستخبارية في البلاد، وصعّبت تماسك الأمن في لحظة حرجة لتركيا والمنطقة.

ويوم الجمعة الماضي، وزّع رئيس الشؤون الدينية التركي محمّد جورميز خطبة بعنوان “البركة التي هي الحياة” على مساجد البلاد. ورأى فيها أنّه مع نهاية السنة، لا يجوز للمؤمن أن يتّخذ “موقفاً وسلوكاً غير قانونيين بالكامل ولا يتطابقان بأي حال مع قيمنا”. وعبّرت الخطبة عن “القلق” تجاه “إهدار” الساعات الأولى من السنة الجديدة “بتسلية (احتفالات) العام الجديد لثقافات وعوالم أخرى”. كذلك انتقدت الخطبة إهدار هذا الوقت “على القمار وألعاب الحظ مثل اليانصيب مع الرغبة في التحوّل إلى أثرياء من دون عمل”.

غير أنّ جورميز استنكر عملية الاعتداء الأخيرة في بيان أصدره بعد الجريمة واصفاً ما حدث بأنّه “وحشي ومرعب”. وأضاف: “إنّه جريمة ومجزرة”. وشدّد على أنّه “لا فرق إذا ارتُكِب هذا العمل البربري في سوق، مكان للعبادة، أو مكان للتسلية. أهداف الإرهابيين ليست أمكنة بل الناس، البلاد، الأمّة والإنسانيّة”.

وكان لافتاً نشر شبّان أتراك لصور وعبارات، في العالمين الافتراضي والحقيقي، تهاجم فيها الاحتفالات بالأعياد المسيحية وترسم أحدهم يلكم وجه “بابا نويل” (الشخصية التي يقال إنّ القاتل تنكّر بثيابها) أو يوجّه مسدّساً إلى رأسه أو يشوّهه. ولم تكن هذه السنة الأولى التي ينتشر فيها الاعتراض على هذه الاحتفالات أو حتى على السماح بإجرائها، أكان من الشبان المتطرّفين أو حتى من بعض الصحف التركية ك “يني عقد”. ومن هنا، يعيد المراقبون تكرار مثل هذه العمليّات إلى الجوّ العام السائد في البلاد التي يحكمها حزب “العدالة والتنمية”.

لكنّ الباحث في الشؤون التركية جو حمّورة يشير إلى أنّ أشخاصاً ومجموعات ينتقدون مظاهر الابتهاج الغربية لكنّهم “غير متأثرين كثيراً” بالجو السياسي والثقافي والديني الذي ينشره الحزب الحاكم. فهذه المجموعات تصف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بكونه “حامي العلمانية” فيما تتمتّع هي بأفكارها وآرائها الخاصة. وهذه الجماعات تنظّم سنوياً هكذا نشاطات، ضدّ الميلاد ورأس السنة، داعية الأتراك إلى التخلّي عن هذه الاحتفالات التي ترتبط بالتقاليد الغربية للعودة إلى جذورهم التركية-الإسلاميّة.

حمّورة المقيم في تركيا، أشار إلى أنّ هذه الأطراف تقيم نشاطات دينية ليلة رأس السنة وتقوم بزيارة المساجد. كما تقدّم عروضاً تمثيلية في الشارع وتوزّع منشورات ضد الاحتفالات الغربية. وهنالك صورة نقلتها صحيفة “حرييت” عن ثلاثة أشخاص يهدّدون “بابا نويل” بالقتل  في وسط الشارع. ويلفت الباحث النظر إلى أنّ على رأس هذه المجموعات “منظّمة شباب الأناضول” المعروفة اختصاراً بال “آي جي دي”. وتحدّث أيضاً عن مجموعة من رجال الدين الذين يهاجمون هذه العادات في خطبهم داخل المساجد.

حمّورة رأى أنّ هذه العمليات الأمنية، بالنسبة للحزب وأنصاره، هي ردّ فعل من قبل أنصار الداعية فتح الله غولن لزعزعة استقرار تركيا. وبعد الانقلاب الفاشل في تمّوز الماضي، شنّ أردوغان حملة تطهير كبيرة “أضعفت الأمن والجيش بشكل عام”. وأضاف أنّ الثقة تزعزت بين أفراده فيما السلطة السياسية تُحْجِم عن إعطاء القوى الأمنية حرية التصرّف في الأمور الطارئة التي تستلزم سرعة تدخّل. كذلك، باتت البلاد عرضة أكثر للعمليات الإرهابية لأنّ عدد العناصر الأمنية تضاءل بعد حملات التطهير.

ولدى سؤاله عن آلية توجيه الاتهامات من قبل السلطات التركية، لأنها أحياناً تدمج  الأكراد بداعش وأحياناً داعش بغولن، ومرّات تطلق اتهامات عامة بدون الدخول في التسميات، أجاب حمّورة بأنّ المسؤولين الأتراك يتحدّثون بطريقة ترضي الجمهور والرأي العام. وتبعاً لذلك، يمكن أن تتغيّر الاتهامات وتتنوّع الجهات التي تحمّلها الحكومة المسؤولية عن الجرائم الإرهابية.

وعن توقّعاته بمكان ردّ أردوغان على مسلسل العمليات الإرهابية، يشير حمّورة إلى أنّ الردّ سيكون في الداخل والخارج معاً. فبعد هذه الاعتداءات، تصبح عملية التطهير بالنسبة لأردوغان أسهل، لأنه لا يواجه عندها اعتراضاً شعبياً، لأنّ الناس ينظرون عندها إلى إجراءاته على أنّها “ضرورية”. أمّا في الخارج، فإنّ تركيا تقوم بالرد منذ فترة أكان في العراق أو في سوريا، لكنّها الآن متعثّرة أمام مدينة الباب السورية. ويرى أيضاً أنّ “الحماس التركي للحل السياسي في سوريا، يعود في أحد أسبابه إلى العمليات الإرهابية المتزايدة في الداخل”.

ولدى سؤاله عن مصير العلاقات التركية-الغربية بعد مسلسل العمليات الأمنية، والخلاف التركي-الأميركي حول مسائل كثيرة بدءاً بتعاطي إدارة أوباما مع الانقلاب الفاشل وصولاً إلى اتهامات أنقرة لواشنطن بدعم الإرهاب، أجاب حمّورة بأنّ مسألتين ستحددان الإجابة. فهنا يتوجّب النظر برأيه إلى سياسة الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب في الشؤون الخارجية تجاه أنقرة من جهة، وإلى المفاوضات التي تقودها روسيا في الملف السوري من جهة أخرى. لكن حالياً، “هنالك توجّه واضح لتركيا بالتقرّب من روسيا والابتعاد، لا التخلّي، عن الغرب”.

ولفت الباحث النظر إلى وجود لوبي روسي في تركيا، وهنالك روس يشغلون مناصب استشارية مهمّة. وختم حمّورة قائلاً: “يعمل هؤلاء على فكرة أنّ مستقبل تركيا يكمن في وسط آسيا، وأنّ بإمكانها أن تكون شريكة روسيا في قيادة المشروع هناك. وبالتالي يحاول هؤلاء إقناع الأتراك بأنّ مستقبلهم هو مع الروس لا مع الأوروبيين”.

تعاني تركيا أزمة هوية، وهذا لا يظهر من خلال التخبّط في التوجهات السياسية الخارجية وحسب، بل من خلال الخطاب الداخلي أيضاً. فأنقرة غارقة في صراع بين تبنّي خطاب قائم على احترام “العلمانية الأتاتوركية” للجمهورية التركية الحديثة، تجسيداً لرغبة (قد أصبحت قديمة ربّما) في كسب الودّ الأوروبي، وبين استعادة أمجادها الإسلامية بصبغة سياسية نيو-عثمانية كما وصفها البعض.

خطاب رئيس الشؤون الدينية التركية محمّد جورميز لا يقدّم مثلاً منفرداً في هذا الشأن. فانتقاده “أساليب التسلية لدى ثقافات وعوالم أخرى”، يقابله بعد يومين تأكيده أنّ ما يميّز الأعمال الإرهابية … هو استهدافها “تحريض ناس ذوي أنماط عيش مختلفة”. هذا يؤشر الى أن الخطاب كالهويّة على أعتاب أزمة في تركيا.

Leave a Reply