“انقلاب” على الانقلاب: كيف سيحكم أردوغان تركيا؟

جو حمورة

da7c89f55d884b5f8d25217f523a675a_18

ليل 15-16 تموز قادت مجموعة من الفرق العسكرية التركية انقلاباً على الحكم. في الساعات الأولى تضاربت الأخبار. الانقلاب نجح.. لم ينجح. إلى أن توضحت الصورة على الأرض وكانت النتيجة أن الانقلاب لم ينجح في السيطرة على السلطة لأسباب عديدة، إلا أنه أبرز حقيقة الخلافات داخل المؤسسات الأمنية، وهشاشة الأوضاع التركية الداخلية، كما زعامة رجب طيب أردوغان. فكيف تمت المحاولة الانقلابية ومن قادها؟ وكيف تعاملت السلطة الشرعية معها وأفشلتها؟

على غرار أي محاولة انقلاب عسكرية تنطلق فرق من الجيش لتنفيذ أوامر جنرالاتها. السيطرة على الثكنات العسكرية والمرافق العامة كالجسور والمطارات والمحطات الإعلامية الرسمية هي من الضرورات القصوى في أي انقلاب. وهذا ما فعلته الفرق العسكرية الانقلابية حيث سيطرت سريعاً على بعض هذه المرافق. فيما أبرزت وجودها قصداً وعلانية في إسطنبول، بينما كان الانقلاب الحقيقي يتم في العاصمة أنقرة.

“نسي” الجنرالات الأتراك أن يسيطروا على المحطات الإعلامية الخاصة ووسائل التواصل الاجتماعية، فأتاحوا المجال للسلطة الشرعية أن تقود “انقلاباً” على الانقلاب وإفشال مساعيه في السيطرة على السلطة. فظهر أردوغان سريعاً على شاشة تلفزيون CNN Turk من على هاتف محمول لدعوة الناس إلى “التصدي للمحاولة الانقلابية وأعداء الأمة”. فيما باشرت المخابرات العامة ومعظم أجهزة الشرطة في ضبط الأوضاع قدر الإمكان ومحاصرة الفرق المدرعة الانقلابية بتجريدها حيناً من سلاحها وبإقناعها بأن الانقلاب سيفشل أحياناً أخرى، كما عملوا على تسهيل قدوم المواطنين للضغط على عناصر الجيش معنوياً.

انقسمت المؤسسات العسكرية والأمنية بين موالٍ للانقلاب ومعارض له. فاصطفت القوات الجوية وبعض الفرق المدرعة مع الانقلابيين، فيما استمرت المخابرات العامة، والفرق العسكرية البرية، والقوات الخاصة ومعظم أجهزة الشرطة على ولائها للحكومة الشرعية. بينما كان الناس، بمعظمهم، ضد الانقلاب، ونزلوا سريعاً إلى الشارع بأعداد هائلة للتصدي له.

أمّا أحزاب المعارضة فوقفت ضد الانقلاب، وذلك لخبرتها المزمنة مع الانقلابات السابقة في العقود الماضية، ولمعرفتها أن حكم الجيش سيكون ضد كل الأحزاب، أكانت تلك الحاكمة أو المعارضة. وعبّر حزب “الشعب الجمهوري” العلماني عن رفضه للانقلاب ببساطة، إلا أنه لم يقم كحزب “الحركة القومية” اليميني المتطرف بدعوة مناصريه للتصدي له في الشارع، والذين مارسوا الكثير من العنف بحق عناصر الجيش لحظة تخليهم عن الانقلابيين تحت وطأة الضغط الشعبي.

وبالاتكال على الزخم الجماهيري وعلى القوى الأمنية الموالية لها سيطرت القوى الشرعية سريعاً على الأمور في إسطنبول ومعظم المدن المتوسطة الحجم. إلا أن “المعركة” النهائية كانت في العاصمة السياسية أنقرة، حيث عمد الانقلابيون إلى مهاجمة مجلس النواب ببضعة قنابل، واعتقلوا رئيس هيئة الأركان العامة، لتعود الأمور وتنتهي بعودة الهدوء إلى البلاد وتسليم معظم الانقلابيين لأنفسهم إلى السلطة وفشل الانقلاب. في المحصلة سقط حوالى 300 قتيل نصفهم من المدنيين، وتم اعتقال آلاف شخص على صلة بالانقلاب تحضيراً لمحاكمتهم، من بينهم عشرات الجنرالات، خصوصاً قائد القوات الجوية السابق الجنرال أكن أوزتاك الذي وُصف بمدبر محاولة الإنقلاب.

مسيرة (1)

وأظهرت أحداث الانقلاب حقيقتان لا لبس بهما. الأولى أن المؤسسات الأمنية والعسكرية التركية تقودها مجموعات لا تختلف فقط حول أوضاع تركيا وكيفية إدارة السلطة فيها، إنّما، خاصة، في خلفياتها الإيديولوجية أيضاً. فأغلب الضباط المنقلبين هم إما مقربون من الداعية الإسلامي فتح الله غولن ويدورون في فلك الطريقة الصوفية النورسية، وإما متشددون قوميون معترضون على كيفية ممارسة الحزب الحاكم سياسة تصالحية مع إسرائيل وروسيا وبراغماتية مع الأكراد، وإما من عتاة العلمانية المتطرفين الباحثين عن انتقام من قوى الإسلام السياسي. في حين أن الجنرالات والأجهزة التي بقيت على ولائها للحكومة فهي إما تملك توجهات إسلامية محافظة كالحزب الحاكم نفسه، وإما تدور في فلك الطريقة الصوفية النقشبندية القوية والفاعلة بين أتراك الأناضول وداخل حزب “العدالة والتنمية” الحاكم.

أما الثانية فهي زعامة رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان الذي تصدى للانقلاب بنفسه. أكان في دعوته لمواجهته شعبياً أم في نزوله في مطار “أتاتورك” بعد دقائق من فقدان الانقلابيين السيطرة عليه، وتجواله بين المواطنين وحثهم على “الصمود بوجه أعداء الديمقراطية”. فأردوغان قبل محاولة الانقلاب كان في نظر معظم الأتراك “باني نهضة تركيا الحديثة”، أما بعده فبات “مخلص الأمة من الفوضى والديكتاتورية والحرب”. في حين غاب الكثير من قيادات حزب “العدالة والتنمية” وقبضاياته عن المواجهة لحظة الحاجة إليهم، بينما اتكل أردوغان على قوته الشعبية وإخلاص جهاز المخابرات العامة له، وولاء رئيس الحكومة بن علي يلدريم ووزراء حكومته.

من ناحية أخرى، أعطى فشل الانقلاب أردوغان وحزب “العدالة والتنمية” فرصة ذهبية لزيادة نفوذهم داخل السلطة. فلم ينتظروا أكثر من بضعة ساعات على فشل الانقلاب حتى بدأوا في “تطهير” السلطة القضائية عبر إعفاء حوالى 3 آلاف قاضي، هذا بالإضافة إلى اعتقال بعض الضباط من الذين ترددوا في الدفاع عن الشرعية. ومرد ذلك يعود إلى حاجة السلطة إلى جهاز قضائي موالٍ لمحاكمة الانقلابيين، كما لتخفيف نفوذ فتح الله غولن داخل السلطة القضائية والمؤسسات الأمنية، بعدما أفقدوه قوته خلال السنوات القليلة الماضية في القطاع الإعلامي، وأقفلوا معظم مدارسه المقدرة بـ1500 مدرسة، ومئات دور الطلبة التابعة له.

ومما لا شك فيه أن الانقلاب سيفتح الباب أمام أردوغان لإعادة هيكلة الجيش، وهو الوعد الذي أطلقه ليلة الانقلاب مباشرة بعد بروز البوادر الأولى لفشله. ويُعد هذا الأمر من الأهداف الأساسية التي لطالما سعى الرجل الأقوى في تركيا لتحقيقها ولم يستطع خوفاً من ردة فعل الجنرالات المنشغلون بمقاتلة الأكراد جنوب – شرق تركيا، أو خوفاً من استقالة الكثير منهم في نفس الوقت مما يخلق مشكلة كبيرة لتركيا، ويظهر حكومتها فاقدة للسيطرة على جيشها.

أمّا فتح الله غولن الذي باتت توجّه له أصابع الاتهام بعد كل عمل يضر بالحزب الحاكم فنفى علاقته بالانقلاب، وألمح إلى أنه قد يكون مفتعلاً داعياً  إلى تحقيق دولي بالأمر. وهذا ما يعطي صورة أكثر غموضاً عمّا جرى خلال محاولة الانقلاب، في حين لا يمكن تأكيد أو نفي عمل الانقلابيين بتوجيه من غولن، على الرغم من أن مصلحته تتلخص بإسقاط الحزب الحاكم الذي يحاربه منذ العام 2013. إلا أن لوم الجميع له مع تحرك أول دبابة انقلابية في الشارع فيه الكثير من السطحية والتسرع، خاصة أن الكثير من الضباط  والجنرالات الذين شاركوا بالانقلاب يكنون العداء له.

وما إن أعلن رئيس الحكومة التركية فشل الانقلاب وإعادة السيطرة على الأمور حتى بدأ الجميع بشن حملة ضد غولن وتحميله كامل المسؤولية عن الفوضى التي حدثت في تركيا. كما دعوا الولايات المتحدة الأميركية إلى تسليمه إلى السلطات التركية لمحاكمته. وعلى الرغم من أن هذه المطالب تعود للعام 2014، إلا إن الولايات المتحدة لم تقم بتسليمه على الرغم من وجود بروتوكولات ومعاهدات لتبادل المطلوبين بينها وبين تركيا، وتحجّجت بحاجتها إلى دلائل حسيّة على مشاركة غولن في إدارة الانقلاب أو التحضير له.

من ناحية أخرى، يخرج أردوغان من الأزمة بتأكيد مصداقية خطابه الذي ركز طوال السنوات الماضية على وجود مؤامرة داخلية ودولية ضده وضد تركيا. أما الجيش فخرج باهتزاز كبير أصاب صورته وأبرزه منقسماً ومليئاً بالتيارات السياسية والعقائدية. كما برز الشعب التركي بأنه صاحب حسّ ديمقراطي دفعه لرفض الانقلاب ومواجهته باللحم الحي، ورافض للعودة إلى زمن تحكّم البدلات المرقطة بالحياة السياسية والاجتماعية بكامل جوانبها كما في الماضي.

انتهى الانقلاب بتأكيد زعامة أردوغان غير القابلة للسقوط، على الأقل في الوقت الحاضر، وفتح الباب أمامه للسيطرة أكثر على كامل مفاصل الدولة وأجهزتها العسكرية تحضيراً لجعل النظام السياسي نظاماً رئاسياً يعطيه صلاحيات شبه مطلقة. كما أن الأوضاع الداخلية التي من المتوقع أن تتجه لصالحه ستنعكس على قدرة تركيا على لعب دور أكبر على الساحة الإقليمية، من دون أن ينكفئ أردوغان بتنظيم سلطته داخل تركيا بل بفرضها في الخارج.

جو حمورة، ” انقلاب على الانقلاب: كيف سيحكم أردوغان تركيا؟، مجلة المسيرة، العدد 1569، في 25 تموز 2016.

Leave a Reply