الإعلام التركي: العالم معنا.. فمن علينا؟

جو حمورة

أمام البيت الأبيض

ما أن أعلنت الحكومة التركية عن انتهاء محاولة الانقلاب وفشلها، حتى راح الأتراك يملأون الشوارع دعماً للشرعية. وعلى مدى الأيام التي تلت الأزمة، عمد الإعلام التركي إلى البث مباشرة مشاهد آلاف الناس الداعمة من كل الساحات، من إسطنبول وأنقرة وإزمير وقونيا وغازي عنتاب.. والكثير من مدن العالم. فالدعم الشعبي والمعنوي الذي حصلت عليه السلطة يتم استخدامه بشكل مستمر لإظهار شرعية الحكم وشعبيته، كما يهدف إلى إظهار قوة تركيا وشعبيتها حول العالم.

من برلين وفيينا وباريس وبروكسيل “هلت بشائر النصر” حسب تعبير الإعلام التركي، والذي نقل معظم المظاهرات والوقفات الإحتجاجية. كما عمدت مواقعه الإلكترونية إلى كتابة تقارير عن التجمعات الشعبية وبثها تباعاً. في أثينا اليونانية 500 متظاهر، وفي ميلانو الإيطالية 200، وبضع مئات في كل من زيورخ السويسرية وكولونيا الألمانية وغيرها، والتي “خرجت عفوياً” لدعم الشرعية.

ولم يفت الإعلام التركي الموالي التذكير بأن كل هذه الوقفات الإحتجاجية تأتي في سياق دعم “حامي الأمة من الفوضى والديكتاتورية” الرئيس رجب طيب أردوغان. فيما اكتفى الإعلام المعارض بإبراز أن معظم الوقفات الإحتجاجية في المدن الغربية نظمتها جمعية “الإتحاد الأوروبي للأتراك الديموقراطيين” وهدفها سلامة تركيا وشعبها بشكل أساسي، لا الدفاع عن السلطة والحكم.

كذلك، عمد الإعلام التركي الرسمي والخاص، الموالي والمعارض، إلى إبراز مشاركة السوريين في المظاهرات بشكل لافت. فقامت الوسائل الإعلامية بالتركيز على مشاركة غير الأتراك، وبخاصة السوريين منهم، في المدن الأوروبية، ضد محاولة الانقلاب. كما وضعت مشاركة السوريين ضمن إطار رد الجميل لـ”بلدهم الثاني” تركيا لوقوفها معهم في المحنة التي يمرون بها.

من ناحية أخرى بدت مشاركة العالم العربي والإسلامي أكبر من ذلك الأوروبي في الوقوف احتجاجاً على محاولة الإنقلاب في تركيا. ففي لبنان، شارك الكثيرون في مناطق ومدن عديدة رفضاً للإنقلاب، كذلك فعلوا في الأردن واليمن وفلسطين وكوسوفو وباكستان وآذربجيان والصومال وغيرها، إلا أن تغطية نشاطاتهم محلياً أتت متأخرة وبسيطة مقارنة بحجم التغطية الإعلامية المعطاة للمدن الأوروبية. وقد يعود السبب إلى السهولة اللوجستية في نقل الأخبار والمشاهد من العواصم الأوروبية، على عكس الحالة في العالم العربي أو في أفريقيا. أو ربما هو تركيز من الإعلام التركي على عواصم القرار المؤثرة في أوروبا أكثر من اهتمامه بدول العالم الثالث. كما يمكن أن يكون عائداً إلى التزام المتظاهرين في المدن الأوروبية برفع الأعلام التركية حصراً، بينما يعمد العرب وشعوب الدول الإسلامية الأخرى إلى حمل صور حكام تركيا، الأمر الذي لا يشجع الإعلام التركي المعارض مثلاً على نقل أخبارهم ونشاطاتهم.

أما ولاية بنسلفيانيا في الولايات المتحدة الأميركية، فأخذت احتجاجاتها التغطية الأكبر في الإعلام التركي، على الرغم من أن عدد المتظاهرين لم يتجاوز العشرات. ومردّ ذلك يعود إلى رمزية هذه الولاية، لأنها المقر الدائم للداعية الإسلامي فتح الله غولن المتهم وأنصاره في الأجهزة الأمنية والعسكرية بتدبير محاولة الإنقلاب. كما كانت للأتراك وقفة أخرى أمام البيت الأبيض، وتم تداول صورها بكثرة على وسائل التواصل الاجتماعية.

قد تختلف طريقة التغطية للإحتجاجات بين بلد وآخر، إلا أن كل تجمع يضم أناساً لا يتعدون أصابع اليد، مذكور في الإعلام، ويتم تقديمه بأسلوب شيق حيناً ومكرر أحياناً أخرى. فهدف الإعلام المناهض للإنقلاب يبدو إظهار أكبر عدد ممكن من الناس والنشاطات التي تتناسب مع سياسته، كما إظهار أن العالم كله ضد المحاولة الإنقلابية وداعماً للشرعية والديموقراطية التركية.

من ناحية أخرى تخلق تركيا وإعلامها عدواً خلال المحنة التي تمر بها. فالى جانب فتح الله غولن وأنصاره المعرضين الآن لوابل من الإنتقادات العلنية، السياسية والشخصية، وباتوا “أعداء الشعب”، تبرز الولايات المتحدة الأميركية في الإعلام كعدو آخر. في حين لا تنفك التلفزيونات التركية عن استقبال وفتح الهواء لكل من يناشد أميركا تسليم غولن، وإبراز كل استهجان وتعجب لعدم قيامها بذلك، لكأن الإعلام التركي يقول “كل العالم معنا.. فقط أميركا وغولن ضدنا”.

جو حمورة، الإعلام التركي: “العالم معنا.. فمن علينا؟“، جريدة المدن الإلكترونية، في 20 تموز 2016.

Leave a Reply