… لكن أين الإعلام التركي من جريمة زهران علوش؟

جو حمورة –

كان تلبكه واضحاً وإخفاؤه للحقيقة أوضح. أما حديثه، فلم يشفِ غليل السائلين والمترقبين. سَوّف الجواب، ثم ردد العبارة “الببغائية” الأشهر في سوريا: “الفاعل هم جهات خارجية”. بعدها بلحظات، إنتقل قائد “جيش الإسلام” إلى الهجوم بدلاً من الدفاع، وإلى المقارنة بدلاً من الإعتراف، وأنهى الكلام. كان ذلك في مؤتمر زهران علوش الصحافي في صيف 2014، فيما كان السؤال المحوري عن مصير الناشطة الحقوقية رزان زيتونة.

مع تزايد الكلام عن سعي حثيث لمساعدته ميدانياً في مواجهة النظام السوري، حطّ زعيم أكبر الفصائل الإسلامية المسلحة، رحاله، مؤخراً في إسطنبول. غادر الرجل الأقوى في الغوطة الشرقية الدمشقية “إمارته” للبحث عن مستقبل أكبر له في سوريا، فيما مصير رزان ورفاقها الثلاثة ما زال مجهولاً بعد حوالى سنة ونصف السنة على إختطافهم. ففي 9 كانون الأول/ديسمبر 2013 خُطفت مجموعة من أبرز الناشطين السوريين، هم إلى جانب رزان زيتونة، سميرة الخليل، ووائل حمادة، وناظم حمادي. فيما أشارت أصابع الإتهام إلى علوش و”جيشه” الذين يسيطرون بشكل كامل على مدينة دوما السورية، حيث اختطف أبرز ناشطي الثورة السورية.

Syrian activists kidnapped in Syria

لم يَسلم علوش من إتهامات طاوَلته بتدبير الإختطاف سابقاً، أو بإخفاء مصير المختطفين على الأقل. لم تتغير الحال كثيراً خلال زيارته الإسطنبولية، فكانت ساحة “تقسيم” على موعد في 22 نيسان/أبريل الماضي، مع محتجين أتراك وسوريين للسؤال عن رزان ورفاقها، ممن رفعوا لافتات كثيرة ندّدت بجلوس علوش على طاولة المفاوضات التركية، معتبرين أن مصير أمثاله هو المحكمة فقط.

وفي مقابل الإهتمام “الميداني” بمصير رزان ورفاقها، لم تلتفت السلطات التركية أو إعلامها لهذه القضية بشكل حقيقي. ويشعر الناشطون الساعون إلى التذكير بهذه القضية، في أثناء تواجد علوش في تركيا، أن اهتمام تركيا بزهران علوش وجنوده يتمحور حول الحرب والسياسة وتفاصيل الميدان السوري، دون مصير الناشطين والحقوقيين. كأن هؤلاء ليس لهم أحد، إلا بضعة ناشطين من الزملاء والأوفياء للسؤال عن مصيرهم.

وعلى الرغم من أن للناشطين الأربعة مكانة معتبرة وسجلاً نظيفاً من النضال الصلب ضد ظلم النظام السوري – عدو تركيا، إلا أن السياسة طغت خلال المحادثات التركية – “العلوشية” على أي أمر آخر. فيما لم تتم مساءلة قائد “جيش الإسلام” عن مصير المخطوفين الذين عملوا على توثيق الجرائم الأسدية خلال السنوات الماضية ونشروا فظاعتها ليعرف بها العالم. في المقابل، غاب في تركيا صوت “السلطة الرابعة” المستفسر عن المخطوفين والضاغط على خاطفيهم، وسط إنشغاله مؤخراً ببث الدعاية المضادة للدعاية الأرمنية، إذ تزامنت زيارة علوش إلى تركيا خلال التحضير لإحتفاليات الذكرى المئوية لأحداث العام 1915 والمجزرة الأرمنية المعروفة.

وسائل الإعلام التركية، بمعظمها، اهتمت بالنتائج السياسية والعسكرية لزيارة علوش، وما الذي يمكن أن يتمخض عنها. في حين ربطت تلك الموالية للحكومة التركية الزيارة بمدى تأمينها مصالح تركيا في سوريا، بالإضافة إلى نشر سيرة علوش “البطولية” في مواجهة قوات النظام السوري. ولم تختلف وسائل الإعلام التركية المعارِضة، عن تلك الموالية للسلطة الحالية، من ناحية تغطية خبر الزيارة، وإن لم يُثنِ الإعلام المعارِض على سياسات تركيا تجاه جارتها السورية. إلا أن ما جمع بين وسائل الإعلام الموالية والمعارِضة، هو عدم بروز أي تغطية لقضية الناشطين الحقوقيين السوريين المختطفين، أو الإضاءة على أخطاء “جيش الإسلام” وخطايا قائده.

ورغم دعمها للثورة السورية، ما عاد في تركيا مكان لسؤال عن أبرز ناشطيها السلميين. إنه زمن المقاتلين العسكريين، لا زمن الناشطين السلميين. فيما تركيا مدعوة اليوم للضغط سياسياً ومعنوياً على زائرها، بما تملكه من رصيد يجعل كلمتها مسموعة، ومطاعة، عند القوى السورية المعارِضة. أما إعلامها، والإعلام العربي بشكل عام، فمدعو كذلك إلى إبقاء شعلة الأمل مضاءة وسط كل الدمار والسواد الذي يجتاح سوريا، والمطالبة بالإفراج عن المعتقلين لكي لا نرتكب بحقهم جريمة النسيان.

————-

جو حمورة، … لكن أين الإعلام التركي من جريمة زهران علوش؟، جريدة المدن الإلكترونية، في 29 نيسان 2015.

Leave a Reply