تركيا في عيون عربية: عالمٌ من خيال وأساطير وحقائق ناقصة

جو حمورة

نشر أولاً على موقع المراسل

ليس كل ما يلمع ذهباً. لتركيا الحيوية والجميلة الكثير من الايجابيات، إلا أنّ لها، كما غيرها من الدول والمجتمعات، سلبياتها. هذا ما يقوله الأتراك على الأقل. يحبون بلادهم بكثرة، لكنهم يعرفون، كذلك، أن بلادهم تشوبهاً الكثير من الأزمات، ولا تشبه لوحة خيالية أو رواية أسطورية فاقعة الجمال كما بات يراها الكثير من العرب.

لا يضيء هذا المقال على جمال تركيا من عدمه، ولا على الأساطير الحيّة في وجدان الأتراك، كأسطورة الذئب الأغبر في جبال “الآلتاي” مثلاً. إنما على ما هو أكثر وهماً وخيالاً. استطاع بعض الإعلام التركي، كما العربي، خلق صورة جد براقة وملئة بالرياء عن بلاد الترك، فراح كثر يخلقون صوراً لها في خيالهم قبل زيارتها حتى. وقعت الناس أسيرة المعارف المنقولة لها، فأحكم الإعلام احتلاله للعقول والقلوب. في خضم ذلك، لفّت بعض الغشاوة عيون كثر من العرب، بعدما اندمج الخيال بالواقع، وما عاد يفصل الحقيقة عن المُختلق إلا القليل من المساحة. إن ما خلقه الإعلام في عقول ومعارف العرب في السنوات الأخيرة بات أفدح وهماً من أكثر الأساطير التركية خيالاً.

يؤمن الأتراك بأسطورة الذئب الأغبر التي تحتل مكانة مهمة عندهم. هي تُعلَّم في المدارس وتُلقن للأطفال، وتعيد إحياء ذاتها في الألقاب التي تعطى لهذ السياسي أو ذلك، أو في الرموز عند هذا الحزب أو خصمه. تتكلم الأسطورة عن أجداد الشعب التركي الأوائل الذين سكنوا على الضفة الغربية من بحر الغرب وسط آسيا. بسبب قلة المراعي، هجمت دولة تدعى “لين” على الأتراك، فقتلتهم كلهم ما عدا صبي واحد يبلغ العاشرة من العمر. وجد جنود دولة “لين” الصبي، فلم يقتلوه بل قرروا أن يذيقوا ذلك التركي الأخير أبشع أنواع العذاب، فقطعوا ذراعيه وساقيه ورموه في أحد المستنقعات.

بعد فترة من العذاب، وجدت ذئبة ذلك الصبي وحملته بأنيابها إلى جبال “الآلتاي” التي يصعب الوصول إليها، ولا تعرف طريقها إلا الحيوانات المفترسة. بالرغم من البرد القارص في المرتفعات العالية من تلك الجبال، وضعت الذئبة من وجدته في سهل فسيح داخل مغارة ضخمة ممتلئة بالأعشاب والمراعي، والتي تحدّها الجبال الشاهقة المنيعة التي يصعب تجاوزها. في تلك المغارة، بدأت الذئبة بلعق جراح الصبي وعلاجه، ثم راحت ترضعه من حليبها وتصطاد له الحيوانات ليتغذى منها. بعدما كبر ودخل سن البلوغ، تزوج الصبي من الذئبة، فأنجبت له عشرة أبناء. مع مرور العقود، كبر الأولاد وتزاوجوا، ثم تكاثروا بشكل كبير حتى أسسوا جيشاً هاجم دولة “لين” وقضى عليها تماماً، فيكونون بذلك قد ثأروا لأجدادهم. لم ينتهِ الأمر عند هذا الحد، بل أسس الأتراك دولتهم بعد الفوز، وسيطروا على من يجاورهم من الدول والشعوب، دون أن ينسوا فضل تلك الذئبة على استمرار وجودهم.

تصلح هذه الأسطورة ليغفو الأطفال عليها، لكنها تشبه، بمقدار خيالها، بعض الروايات الرائجة بين العرب عن تركيا. من تلك الخيالات الشهيرة المنتشرة بينهم، على سبيل المثال، هو أن 99 بالمئة من الأتراك مسلمون. غالباً ما يصرّح من يهتم بأعداد البشر بتلك “الحقيقة”، أو ينشرها مؤمن ورع من هنا أو متعصب أعمى من هناك، إلا أن الحقيقة مختلفة بعض الشيء.

تبعاً لاتفاقية “لوزان” الموقعة عام 1923، تعترف الدولة التركية بثلاثة أقليات فقط: اليهودية، الأرمنية، واليونانية (الأرثوذكسية). لا تشكل هذه الأقليات إلا بضعة عشرات من الآلاف من الأتراك، غير أن المجتمع مليء بأتباع الأديان والطوائف الأخرى الضخمة أو الصغيرة العدد. يُشكل العلاهيون (Alevis) ذوي الإيمان الذي يمزج بين المسيحية والشيعية والشامانية (دين الأناضول قبل المسيحية والإسلام) أكبر هذه الأقليات المقدرة بحوالى 10 ملايين نسمة، تليها العلوية (النصيرية) جنوب البلاد، والمسيحية السريانية بشقيهما الأرثوذكسي والكاثوليكي، والبروتستانت والإيزيدية والشيعة والكاثوليك والكثير غيرهم.

باستثناء ما أقرت به قبل قرن من الزمن، لا تعترف الدولة بأي من هذه الأقليات الدينية، إلا أن ذلك لا ينفي أن لكل واحدة منها وجود يتراوح بين الفاعل والهجين. فيما الأكيد أن وجودها بذاته ينقض تلك الأسطورة التي تعطي المسلمين نسبة شبه كاملة من سكان تركيا بحسب الخيال العربي، وإن كانت الحقيقة لا تخفي أن أغلبية الأتراك هم من المسلمون.

واحدة من الأساطير العربية عن تركيا والمنتشرة بكثرة كذلك، هي تلك التي تتعلق بالتنقيب واستخراج النفط. لا يعرف أحد ما مصدر تلك الإشاعة التي تقول إنّ اتفاقية “لوزان” قد منعت الجمهورية التركية من التنقيب عن النفط واستخراجه لمدة مئة عام، وهي سوف تبدأ بفعل ذلك مع حلول عام 2023، تاريخ إنتهاء الاتفاقية.

إن الاتفاقات الدولية لا تنتفي مع مرور الزمن. كما أنه لا يوجد في تلك الاتفاقية أي إشارة إلى موضوع المنع عن التنقيب عن النفط، ما عدا أن الإعتراف باستقلال تركيا في تلك الاتفاقية كان واحداً من أثمانه تخليها عن المطالبة بحقوق التنقيب في المناطق العربية شمال العراق وسوريا. تستمر الأسطورة في مخيلة العرب دون أن يحبث أحد عن مصدرها وجدواها ومعناها. كل ما في الأمر، في الحقيقة، أن تركيا لا تملك الكثير من مخزون النفط أو الغاز، بل بضعة حقول منتشرة في شمال البلاد وجنوبها، ولا تنتج إلا القليل من المردود، فيما تشتري البلاد أغلب حاجاتها من النفط والغاز من روسيا إيران والعراق ودول القوقاز.

على نفس المنوال، أسطورة عربية أخرى روّجتها المحطات التلفزيونية وشبكات التواصل الاجتماعي بكثرة في السنوات الأخيرة. تقول الرواية المختلقة إنّ “المعجزة الاقتصادية” التركية قد نجحت بشكل تام، فما عادت البلاد بحاجة إلى اقتراض الأموال من صناديق دول العالم ومنظماته، بل باتت تديّن العالم، وإن دينها العام انتهى وتحوّل إلى ربح.

تفيد نظرة سريعة على أرقام وزارتي المال والتجارة التركيتين بحقيقة أخرى. لقد بلغ عجز الميزان التجاري في البلاد حوالى 76 مليار دولار عام 2017. هذا في وقت تتباين فيه أرقام الديون الخارجية المستحقة بين التقارير الدولية وتقارير الحكومة التركية، لكنها تراوحت بين 412 مليار دولار و266 مليار دولار نهاية عام 2018. إن تركيا، مثلها مثل معظم دول العالم مدينة لغيرها بالأموال التي اقترضتها. إلا أن ذلك لا يعني، بأي شكل من الأشكال، أن الاقتصاد التركي سيء، أو هو في حالة انكماش وعدم نمو.

قد يكون مرد هذه الخيالات المنسوجة عن تركيا دور الإعلام العربي السلبي في ترويج الأخبار الكاذبة. كما يمكن أن تكون عائدة إلى أزمة نفسية يعيشها الإنسان العربي. إنّ الشعوب التي ترى أنّ كل سيء يجري معها هو نتاج مؤامرة محاكة في غرفة مظلمة في مكان من العالم، وليس لها أسباب ذاتية، تجعلها عرضة لتصديق أي شيء يقال أمامها. تكرار أي أسطورة، ولمئات المرات، على مسامع الناس التي تهوى الخيال أكثر مما تهوى الحقيقة قد يُنتج بعد حين حقيقة دامغة، تأخذ مكاناً لها في عقول ومعارف متلقيها.

قد تكون لسيطرة الحكومات العربية على وسائل الإعلام مسؤولية كذلك. في كل واحدة من الدول العربية مؤسسات تروّج لبطولات عظيمة قام بها زعيم الأمة أو الملك العطوف أو القائد الفذ أو الرئيس المُقدام… وتنسج سلسلة من الأساطير والروايات عن بطولة حاكم وتواضع آخر. إن خلق أساطير عن حكام لا يستحقون معظم سلطاتهم حتى، لهو مهمة أشد صعوبة من نسج روايات عن تركيا التي لا يعرف العرب إلا القليل عنها أصلاً.

تتحدث أسطورة أخرى أقل انتشاراً بين العرب، عن شؤون الدين والعلمانية. بعض الغشاوة دفعت بعضاً من متلقي الدعاية إلى اعتبار تركيا دولة إسلامية، والبعض الآخر إلى اعتبار مؤسسها، مصطفى كمال “أتاتورك”، قد فرض العلمانية بالقوة المطلقة وألغى الحجاب بشكل تام.

إنّ تركيا، اليوم، دولة علمانية حسب الدستور وليست دولة دينية بأي شكل من الأشكال. تأخذ الدولة مصدر التشريع من القانون الوضعي وليس من الشريعة، فيما مصدر السلطة هو الشعب وليس الله. الانتخابات هي الفيصل في حسم الأمور وليس الشورى. التبني مجاز بالقانون، والمثلية الجنسية ليست جرماً، وعقد الزواج هو مدني وليس دينياً. للمرأة الحق في الطلاق ولها حقوق متساوية مع الرجل في الحضانة والإرث. إنّ حكام تركيا مدنيون، ونظامها المصرفي يتعامل بالربا. أما تقويمها فميلادي، وشعبها يحتفل بأعياد الميلاد ورأس السنة والنيروز (الربيع)، ومشروب البلاد الوطني هو العَرق (raki) الكحولي، إلخ.

أما “أتاتورك” الذي يراه معظم العرب ديكتاتوراً، فهم، على الأرجح، على صواب. لكن الرجل يستحق بعض الأحكام التخفيفية، إذ أنه لم يفرض العلمانية من دون أسباب موجبة أو ظروف مؤاتية. بل تابع ما كان السلاطين العثمانيون قد بدأوا به أواخر القرن التاسع عشر، وساهم في استكمال مسيرة إنفتاح تركيا التي بدأها الخلفاء منذ عام 1876؛ تاريخ وضع الدستور العثماني وإقرار حقوق للأفراد تناقض بعضها الشريعة الإسلامية.

من ناحية أخرى، من المجحف بحق “أتاتورك” قول الدعاية العربية إنّ الرجل فرض خلع الحجاب على النساء. إنّ كل ما فعله مؤسس الجمهورية هو أنه قدّم خياراً مختلفاً للناس، فقبلته بعض النساء ورفضته أخريات، ومنهنّ زوجته “لطيفة هانم” التي بقيت تعتمر الحجاب طوال فترة زواجها منه.

في الإعلام العربي الكثير من الخيال والأساطير المكررة، والتي تتحول إلى أشبه بحقائق دامغة عند من يتبناها. قد يكون من الأجدى، ربما، التوقف عن خلق أساطير عن شعوب وبلاد لا نعرف الكثير عنها، والعودة إلى أكثر ما نجيده: خلق أساطير إضافية عن ملوكنا ورؤساءنا وزعماءنا وبطولاتنا الوهمية.

Leave a Reply