هل إقتربت نهاية البغدادي؟… “الدولة الإسلامية” تقاتل الجميع وتتراجع في كل مكان

جو حمورة

لم يعتقد أبو بكر البغدادي ساعة إعلان نفسه خليفة على المسلمين، وإنشائه “دولة” أن حلمه الإمبراطوري لن يدوم طويلاً. أراد باني هذا الكيان الكرتوني على أراضي سوريا والعراق إعلاء شأن المسلمين، والحصول على المزيد من السلطة، كما بث الروح الإسلامية في أمته التي اعترف يوماً أنها تعاني من الإلتحاق الذيلي بالغرب وثقافته. إلا أن ظروف المعارك العسكرية وأسلوب العنف الذي مارسه تنظيمه، كما التحالفات المحلية والدولية أفقدت “الدولة الإسلامية” قدرتها على المبادرة كما في السابق، وجعلتها عرضة للتآكل المستمر كما هي الحال عليه منذ أشهر.

كان العنف الذي عمدت إلى بثه “الدولة الإسلامية” عاملاً إيجابياً لصالحها في بداية صعودها في سوريا والعراق، فنتج عنه هروب الكثير من القوى أمام تقدمها كما حصل مع الجيش العراقي في مدينة الموصل. إلا أن هذا الكم الهائل من العنف الذي مارسته “الدولة” إنعكس سلباً بعد توقفها عن مهاجمة أماكن جديدة، وصار علّة سيئة تشجع الآخرين على التخلص منها إن إستطاعوا. وهذا ما حصل مع الأكراد شمال سوريا مثلاً، حين دافعوا عن مناطقهم على أطراف الحسكة وفي مدينة كوباني (عين العرب) في العامين الماضيين، وإستطاعوا، بدعم غربي، التخلص من جنود البغدادي والسيطرة حتى على بعض مناطقه.

وبسبب قيام “الدولة” بمهاجمة أهداف غربية، وتوسيع شبكة تأثيرها ونشاطاتها في أوروبا وأميركا وأفريقيا، إندفع الغرب على العمل على محاربتها جوياً وقطع التمويل عنها، وإن تخلل هذه الأعمال بطء في التنفيذ وصعوبة في معرفة تمركز قياديي التنظيم الإرهابي على الأرض. ومؤخراً، جرى إستهداف المتحدث بإسم “الدولة الإسلامية” أبو محمد العدناني في حلب فسقط قتيلاً، لينضم إلى لائحة طويلة من الذين قتلتهم غارات التحالف الدولي وروسيا.

من جهة أخرى، كان لدخول موسكو مباشرة على خط الحرب السورية وقع إيجابي للمساهمة في التخلص من سيطرة “الدولة” على الكثير من الأحياء والقرى التي احتلهتا منذ العام 2014. صحيح أن روسيا عاملت التنظيم الإرهابي كما عاملت المعارضين الآخرين، وقصفتهم جميعاً، إلا أن استهداف التنظيم كان مركّزاً في بعض الأماكن التي يتقاسم السيطرة فيها مع ميليشيات أخرى، الأمر الذي ساهم في تخليه عنها في بعض الحالات.

أما في العراق، فالجهود التي وضعها الحشد الشعبي، والجيش العراقي، ومقاتلو “البشمركة” الأكراد ساهمت في التخلص من “الدولة” في الكثير من المحافظات والمدن والقرى ذات الأغلبية السنية. إلا أن أيًا منهم لم يتجرأ بعد على مهاجمة مدينة الموصل التي تشكّل المعقل الأبرز والأكبر القابع تحت نير جنود البغدادي. كما إن الخلافات بين المهاجمين المنتمين الى الأكثرية الشيعية من ناحية، وخلافاتهم مع الأكراد على وضع المناطق بعد تحريرها من ناحية أخرى، يبقيان عائقاً أمام تقدم سريع يؤدي إلى إنهاء “الدولة الإسلامية” في العراق، وإن كان هذا المشروع هو اليوم في تقدم مستمر ويحقق بعض النتائج الإيجابية.

وكان لدخول تركيا إلى شمال سوريا أن أدى إلى هروب مقاتلي “الدولة” من الكثير من القرى التي كانوا يسيطرون عليها. ففي خلال أسبوعين فقط فقدوا السيطرة على مدينة جرابلس الحدودية، كما على قرى الأثرية والمثمنة والنهضة والوقف والراعي، إضافة إلى نحو عشرين قرية أخرى واقعة غربي جرابلس. ومما لا شك فيه أن تنفيذ “الدولة” لعمليات داخل الأراضي التركية في الماضي، قد أفقدها “حليفاً” لطالما اتهمه الجميع بمساندة الإرهاب. كما جعل من “الدولة الإسلامية” عدواً لأنقرة، ووضعها في مرمى نيرانها، وجعلها اليوم عرضة لفقدان ما تبقى من مناطق تحت سيطرتها في شمال سوريا.

ويعود قسم كبير من أسباب القضم الذي تتعرض له مناطق سيطرة “الدولة الإسلامية” إلى أنها تحارب الجميع والجميع يحاربها. فهي اليوم عدوة التحالف الدولي، وروسيا، وتركيا، والنظام السوري والعراقي والإيراني، والأكراد، وحزب الله، ومختلف فصائل المعارضة، ومعظم الشعب السوري. إجتمع الجميع على هدف واحد وهو إنهاء “دولة الخلافة” التي أنشأها البغدادي، وإن تخلل هذه العملية المعقدة الكثير من الخلافات بين القوى التي تقاتلها ميدانياً، أكان حول تحمل أعباء المعارك من جهة، أو على هوية من سيسيطر على الأرض بعد تحريرها من جهة أخرى.

أمام التراجع الذي تُمنى به “الدولة الإسلامية” يأتي الاتفاق الأخير الذي توصلت إليه واشنطن وموسكوحول سوريا كخبر سيئ لها. ويهدف هذا الإتفاق، إن سار بشكل طبيعي، إلى تحقيق وقف لإطلاق النار بين النظام السوري والمعارضة، وإطلاق عملية إنسانية في بعض المدن أبرزها حلب، كما العمل على تسوية سياسية تُنهي الحرب. بالإضافة إلى إنشاء غرفة عمليات مشتركة بين الطرفين من أجل تنسيق وتكثيف الضربات على مواقع “الدولة الإسلامية”، و”جبهة فتح الشام” (“جبهة النصرة” سابقاً).

تسير رياح التطورات والتحالفات والكعارك في سوريا والعراق على عكس ما تشتهي سفن البغدادي، فالجميع مصمم على إنهاء دولته المفترضة مهما كلف الأمر. وعلى الرغم من أن الجميع تأخر في المبادرة إلى محاربة التنظيم الإرهابي بشكل جدي، إلا أن التطورات السياسية والميدانية تشير إلى أن ما كُتب قد كُتب، وأننا بتنا على مسافة زمنية بسيطة من الإستفاقة صباحاً على خبر تلفزيوني عاجل يقول: أنباء مؤكدة عن مصرع رئيس تنظيم “الدولة الإسلامية” في غارة جوية لم يُعرف مصدرها حتى الساعة.

جو حمورة، هل إقتربت نهاية البغدادي؟… “الدولة الإسلامية” تقاتل الجميع وتتراجع في كل مكان، مجلة المسيرة، العدد 1576، في 18 أيلول 2016.

Leave a Reply