لبنان الإقطاعي: البحث عن طانيوس شاهين جديد

جو حمورة

نشر أولاً على موقع المراسل

في جبل لبنان تراث هائل من المرويات الشعبية القديمة. يتناقل الأبناء عن أجدادهم تلك الحكايات ويحفظونها عن ظهر قلب. يقوم بعضها على عناصر الأسطورة والخيال، والبعض الآخر على الحقيقة الصرفة، إلا أن أغلبها يقوم على توليفة تدمج ما بين الخيال والحقيقة.

من بين هذه المرويات، تتصدر قصة “الخوري الإقطاعي” سلسلة حكايا سهرات الليل على نار حطب المواقد. ففي شمال جبال لبنان كان هناك رجل دين تحكّم بقريته، وقد حوّلها إلى إقطاعية يأتمر الجميع بما يمليه عليهم من أوامر. وضع هذا الرجل أواخر القرن التاسع عشر قوانين خاصة أعطته سلطة استنسابية على رعيته، فتحوّل إلى أشبه بحاكم بأمر الله بعدما حاز على رضى الحكّام الأكبر منه شأناً، فجمع في شخصه السلطة الدينية والسياسية والزمنية والإقطاعية على قريته.

بعدما استحكم بأغلب إنتاج الأرض وملكيتها، أصدر الخوري قانوناً من تحت جلبابه، وطبقه على رعيته لعدة سنوات. يعمل هذا القانون على تغريم من يشتم بربع عثملية من المال، فيستوفيها منه ويزيدها على ثروته الخاصة.

دفع الكثيرون ثمن شتائمهم ربع عثملية وراء أخرى. افتقر البعض، فيما ربط الآخرون ألسنتهم لكي لا يقعوا فريسة الإقطاعي إن تملكتهم عصبية تستوجب الشتم لسبب أو لآخر.

استمر هذا النظام لأربع سنوات، حيث جنى الإقطاعي الأموال الوفيرة من رعيته الفقيرة، إلى أن واجهه فلاح ذكي جريء اسمه عسّاف.

ما إن علم الإقطاعي أن ذاك الفلاح قد أطلق شتيمة في حقله حتى استدعاه لدفع المتوجب عليه. وصل عسّاف إلى دار الإقطاعي وأعطاه عثملية كاملة، فرد عليه الإقطاعي بأنه لا يملك البقية لكي يردها له وما على الشتّام سوى تدبر أمره والإتيان بربع عثملية فقط.

على الحال، أطلق عسّاف ثلاثة شتائم قاسية بحق الإقطاعي ورمى العثملية الكاملة في وجهه وقال: “الآن صرنا صُلح”، ثم طفق عائداً إلى حقله. ما هي إلا ساعات حتى علم كل سكان القرية بجرأة عسّاف ووضاعة الإقطاعي الذي أخد العثملية الواحدة، فتحول الأول إلى بطل، فيما فقد الثاني هالته التي بناها على مر السنوات، فراح السكان يتجبرون عليه ويرفضون إطاعته أو تنفيذ أوامره، فتحرروا لاحقاً من إقطاعه.

تمزج هذه المروية بين الخيال والحقيقة. يؤكد كبار السن أن نظام الخوري الإقطاعي في جمع الجزاء المالي من الناس قد طُبق فعلاً، إلا أن المرويات تتعمد النهايات السعيدة، فتجزم أن الإقطاع انتهى مع أول حركة بطولية أو ثورة شعبية رافضة له، إلا أنها تقع في المغالاة والخيال، خاصة وأن النظام الإقطاعي لا يزال حياً يُرزق في لبنان، وإن بأشكال أكثر حداثية.

منذ ١٦٠ عاماً بالتمام والكمال، أطلق أبرز أبطال لبنان ضد الإقطاع ثورته. ثار طانيوس شاهين على إقطاع آل الخازن في منطقة كسروان وسط جبل لبنان. استخدم البيطري الفقير النقمة على الإقطاعيين وتجبّرهم على الناس بشكل ذكي أعطاه الصدارة، فتحوّل بعدما نظم المؤتمرات واللقاءات الشبابية الرافضة للوضع الراهن في معظم قرى كسروان إلى “شيخ الشباب”. ثم بدأ عام ١٨٥٩ بتعبئة مناصريه بتعابير الثورة والحقد على الإقطاعيين، وبتسليحهم بدعم من الكنيسة و “رهبان العازاريين” الناقمين على آل الخازن.

أطلق طانيوس شاهين شعاره الشِعري الأشهر:

“هتّوني إني بيطار

وإبن مكاري* بلبّادي

بدي مَحي بسيفي العار

وريّح من شرّو بلادي”

ومن ثم أطلق أوامره بالفلاحين والعمال والفقراء، فهجموا على قصور آل الخازن وأنصارهم وحاشيتهم، ففتكوا ببعضهم فيما فر من تبقى منهم على قيد الحياة إلى خارج كسروان.

ما إن سيطر طانيوس شاهين على الأرض والقصور واستتب له الأمر حتى أعلن قيام “الجمهورية” بدلاً من نظام “الإقطاعية” دون أن تحصل على اعتراف أحد، كما وزّع الأراضي التي استولى عليها على الفلاحين وأنصاره بالتساوي.

لم تستمر “الجمهورية” أو الثورة طويلاً، فوقع طانيوس شاهين فريسة شهوات وطموحات كتلة من رجال الدين والسياسيين والإقطاعيين السابقين والدول الأوروبية المتحالفين لإخماد ثورته. وقف ضده بعض رجال الكنيسة وحاربوه بسيف يوسف بِك كرم وجيشه الآتي من شمال لبنان، فانتهت الثورة وعاد آل الخازن إلى إقطاعياتهم القديمة.

بعد ١٦٠ سنة من الثورة، لا يوجد اليوم في كسروان أي تمثال يخلد طانيوس شاهين، بينما هناك نائب في البرلمان اللبناني يمثل المنطقة من آل الخازن يتبجج كل فترة وأخرى على شاشات التلفزة بتعابير الإقطاع ومفرداتها الشنيعة.

لم ينتهِ الإقطاع القديم في لبنان إنما أقلم نفسه مع متطلبات الحاضر، واستبدل طربوش البكوات المخملي الأحمر بربطة عنق. ففي كل منطقة “زعيم” أو أكثر يملك بركة من يفوقه قوة في الدولة، ويتحكّم بمقدرات منطقته. يتحالف “الزعيم” مع الشركات الكبرى التي تستثمر في منطقته، فتعطيه قدرة على توظيف بعض الناس فيها، فيما يؤمّن الإقطاعي الحماية لها إن خالفت القانون أو تهربت من الضريبة أو لوثت البيئة.

يسيطر الزعيم كذلك على تسمية بعض الموظفين الرسميين في منطقته، ويمد شبكة من العلاقات الاجتماعية مع البقية، فيتحكّم بحكم العلاقات الودية والمنفعة المتبادلة بالسلطة القضائية والأمنية ومراكز الخدمات الاجتماعية والطبية، فيفيد أنصاره إن أبرزوا طاعة له، ويحجب الخدمات والوظائف عمّن يعانده من الناس.

استشعر الإقطاعيون أن أجلهم سوف يحين إن لم يتأقلموا مع الحاضر، فراحوا يؤسسون أحزاباً ويسيطرون على رئاستها، ويحولونها إلى أشبه بمؤسسات خدماتية تأخذ من الزبائنية طريقة لعملها.

يقدِّم الحزب ذو الخلفية الإقطاعية خدماته إلى الناس كأنهم زبائنه، فيردون الخدمة بالتصويت له في الانتخابات المحلية. وهكذا، يحصد الناس فتات الخدمات، كما يؤبدون، مكرهين، النظام الإقطاعي الحديث لسنوات وسنوات.

على هذا المنوال، يتنفس الإقطاع شهيقاً وزفيراً وينبض بالحياة، على الرغم من كل ما يُروى عن نهاية عمره وحلول نظام عادل ودولة قانون ومساواة مكانه.

حتى الدولة اللبنانية بذاتها، فإنها محكومة من قبل إقطاعيين حوّلوا وظائفهم إلى ملكيات خاصة ووزعوا الخدمات الناتجة عنها على المحسوبيات والأنصار مقابل بقائهم في الحكم. فعاث، بالتالي، الفساد في لبنان، وتحوّلت الدولة وأجهزتها إلى بؤر موبوءة قائمة على المصالح ومخالفة القوانين والتنفيعات.

لا يحتاج لبنان إلى إصلاح قانوني من هنا أو مساعدات مالية أجنبية من هناك كما درجت العادة على القول في خطابات السياسيين المعارضين أو غير المستفيدين منهم، إنما إلى طانيوس شاهين جديد يبدأ بتخليص لبنان من الإقطاعيين الحديثين وتحكمهم بمقدرات الدولة والناس، وينتهي بتحويل ظلم الإقطاع والتخلص منه إلى مروية شعبية واقعية ذات نهاية سعيدة.

*المكاري: من ينقل البضاعة على الدواب. وقد كان والد طانيوس شاهين مكارياً.

Leave a Reply