بيروت اليتيمة: مدينة مشوَّهة بلا أهل

جو حمورة

نشر أولاً على موقع المراسل

تختلف صفات المدن باختلاف هوية الناظرين إليها. لا تتطابق نظرة السائح إلى مدينة مع نظرة الساكن فيها. إنّ سُئل من زار إسطنبول عنها، فسيجاوب، على الأرجح، بأنها من أروع المدن على الإطلاق. أما إذا وُجّه السؤال إلى من يسكن تلك اللؤلؤة البوسفورية، فقد يكون الجواب مليئاً بالانتقادات والسلبيات عن حال إسطنبول وشعبها وبيروقراطيتها المعقدة. إنّ الأمر ذاته سيتكرر غالباً عند السؤال عن ملبورن ومدريد والاسكندرية وبيروت، أو أي مدينة أخرى.

المدن كالبشر. فيها الحيّ والمصطنع، فيها الروح والجسد، وفيها الجمال والقباحة. لبيروت شيء من كل ما سبق. تبقى زيارة تلك المدينة المتوسطية حلماً يراود العرب وطائفة من الأوروبيين. بعضهم يزورها دورياً، والبعض الآخر، من قليلي الدخل أو قليلي الحظ، يتحضرون لزيارتها للتنعم بنسيم حرية مفقود أو سهرة ليلية جامحة.

لم تتشوه صورة بيروت كثيراً في مخيال الناظرين إليها من بعيد. لم تغطِ الدعاية السلبية الناتجة عن نقص الكهرباء والفساد وأزمات الحكم وجولات الحروب وصولاتها على صورة بيروت. تلك الصورة التي بناها الإعلام المرئي ومسرحيات الرحابنة وأقلام الصحافيين وسهرات الحانات والكازينوهات لا يزال أثرها بارزاً في طموحات الزائرين الباحثين عن جمال ومغامرة.

يختلف الأمر كثيراً عند البحث عن نظرة سكان بيروت، أو من تبقى منهم، إلى مدينتهم. إنّ عدداً لا بأس به من سكانها قد غادرها على دفعات. البعض أخذته زرقة البحر أو السماء إلى عمل خارج البلاد، وآخرون، وهم كثر، هجروا المدينة وسكنوا في ضواحيها. ما عادت المدينة تتسع لسكانها الأصليين ولا عاد كثر منهم يستطيعون تحمل أعباء الفوضى وسوء التنظيم والكلفة المعيشية العالية، لذا هجروها إلى ضواحيها في خلدة ودوحة عرمون والشويفات، وإلى المتن الشمالي ومجمل ضواحيها الفقيرة.

لبيروت تاريخ بسيط من الرفعة وتاريخ طويل من الانحطاط. اشتهرت المدينة زمن الرومان بمدرسة الحقوق التي نشأت في أواخر القرن الثاني واستمرت إلى منتصف القرن السادس. ثم انحطت المدينة بفعل زلزال العام 551 الذي دمرها تدميراً عظيماً. تحوّلت المدينة، في مراحل لاحقة، إلى “دسكرة” (قرية كبيرة نائية ومسطحة) دون أن يكون لها أي دور في صنع التاريخ، إنما تابعة لوالي عكا العثماني. استمر الحال عليه حتى اجتاحها إبراهيم باشا المصري عام 1832 وجعلها مركزاً لحكمه على بلاد الشام، ثم ازداد عدد سكانها مع حرب العام 1860 في جبل لبنان، لتتحول إلى نقطة لهجرة المشردين من الجبل ومرفأ لتصدير صناعة الحرير اللبناني، إلى أن جُعل منها عاصمة دولة لبنان الكبير لوقوعها جغرافياً في وسطه.

للعمران في تلك المدينة قصة أخرى. ساهمت الحرب الأهلية (1975 ـــ 1990) وسنوات السلم من بعدها في إفقاد بيروت هويتها العمرانية. لا عادت مدينة حديثة ولا كتلة من علب الباطون المكدسة في أحياء شعبية، ولا عادت فرنسية التصميم وعثمانية التراث، بل باتت تحوي على كل شيء في كل زاوية منها. تُجاور بناية حديثة التصميم منزلاً تراثياً قديم العهد، ويجاور الإثنان حياً شعبياً مدقع الفقر ومن خلفه بضعة مباني لأغنياء جدد. الفوضى العمرانية وفقدان الهوية أكثر ما يشوهان المدينة، فلا يعرف الساكن فيها أي هوية تحمل مدينته، بينما يستلذ زائرها بتنوع ما تراه عيناه من أحياء ومبانٍ وبشر.

تشوب بيروت علل أخرى. واحدة منها هي “تجبُّر” الضواحي وسكان الأطراف عليها. ليس في الديموغرافية السكانية وحسب، إنما في السياسة أيضاً. صحيح أنّ لبنان دولة مركزية، ومن يُحكم السيطرة على العاصمة يَحكم لبنان نظرياً، إلا أنّ الواقع يجافي ما تقوله النظريات الرتيبة. بات سكان ضواحي بيروت يشكلون أكثرية بشرية تفوق عدد أهل المدينة، وضواحيها الفقيرة الجنوبية والشمالية “تتجبّر” عليها، فتغرقانها بالفوضى ومظاهر الفقر والتشوه العمراني غالباً، أو حتى تجتاحها عسكرياً كما جرى في 7 أيار/مايو 2008.

علة أخرى تتعلق باضمحلال حدود المدينة. إنّ الغريب عن بيروت لا يعرف بالضبط أين تبدأ المدينة وأين تنتهي. اضمحلت الحدود بين بيروت وضواحيها، وحتى بين الضواحي والأقضية المجاورة. ما الفرق العمراني بين الكرنتينا (آخر منطقة شمالي بيروت) والدورة (أول منطقة في الضاحية الشمالية لبيروت)؟ أو حتى بين ضبيه (آخر منطقة في ضاحية بيروت الشمالية) وذوق مصبح (أول منطقة في قضاء كسروان)؟

الجواب بسيط: لا شيء.

لكل العواصم وسط تجاري حيّ يصلح لقياس ازدهار المدن من عدمه. إنّ وسط بيروت أشبه بصحراء خالية أغلب أيام السنة، ولا يسكنه أحد من الناس بعدما استولت شركة “سوليدير”، بالمال أو بالقوة، على كل المباني هناك، ثم أجّرتها، بعد الترميم، كمكاتب للشركات الكبرى وأصحاب الرساميل التائهين في وجهة استثماراتهم.

إنّ مقياس حال بيروت لا يكون في وسطها التجاري الميّت أو نسبة تشوهها العمراني فقط، إنما في ملاحظة حال نقيضها. إنّ نقيض بيروت في لبنان هو الجبل المتعالي عليها والبعيد عنها. في تلك القرى الوديعة الممتدة على طول جبل لبنان مقابل البحر، حركة عمرانية كبيرة وملحوظة. لا تخلو قرية من مشاريع عمرانية جماعية كثيفة تنتشر بين هذا الحيّ أو ذاك. كما يشهد لبنان حركة متوسطة من النزوح إلى القرى لأن كل ما فيها بات أقل كلفة من غلاء بيروت وفحش أغنيائها، ولأن بُعدها عن العاصمة وكثرة خضارها يعطي سكانها فسحة من الهواء النظيف والذهن الصافي وفرصاً للاستثمار الزراعي.

يُقال إنّ المدن مقبرة القيم والقرى مقبرة الطموح. يبدو أنّ كثراً باتوا يفضلون التخلي عن طموحاتهم والمحافظة على قيم وحياة أفضل بعيداً عن مدينة مشوهة الهوية والعمران والتاريخ.

Leave a Reply