”مدرجات النضال“: دفاعاً عن تسييس كرة السلة اللبنانية

جو حمورة

نشر أولاً على موقع المراسل

غالباً ما يوصف لبنان بتلك “الشائبة” الدائمة: إن كل ما فيه مسيّس وطائفي.

على الرغم من شمولية هذا الوصف، إلا أنه صحيح وكثير الدقة. لا يتعلق الأمر بتوزيع طائفي للمراكز في السلطة، أو تسييس لانتخابات نقابية من هنا أو بلدية من هناك فقط، إنما يشمل كل شيء بالمعنى الحرفي للكلمة، ويصل حتى إلى الزراعة والرياضة.

إنتاج المواسم الزراعية موزّع، وإن بشكل متوسط الحسم، على الطوائف. إن شراءك للبطاطا أو لحشيشة الكيف في لبنان قد يعني، بشكل عام، أن من باعك إياها هو شيعي زرعها في سهل البقاع حيث تسكن أكثرية تلك الطائفة. أما الحمضيات والموز، فغالباً ما يكون منتجها سنّي يسكن على الساحل حيث تنبت تلك الأشجار. فيما التفاح والإجاص والكرز فمسَيطر على إنتاجها من قبل المسيحيين الموارنة، بينما يقتسم الروم الأرثوذكس والدروز زراعة وإنتاج الزيتون، كما تبقى الكرمة من حصة الكاثوليك غالباً، إلخ.

لم يختر أي من أبناء تلك الطوائف التخصص بزراعة دون أخرى، إنما فرضت الجغرافيا هذا التقسيم. إن اكتظاظ أغلب الجبال العالية بالموارنة حتمت عليهم زراعة الأشجار المثمرة التي تنبت هناك، فيما هواء البحر القريب من سكن غالبية أبناء الطائفة السنية في المدن الساحلية فرض عليهم انتاج ما ينبت قربهم…

على هذا المنوال، تحتم طبيعة الجغرافيا المختلفة التي تسكنها الطوائف أنواع محددة من الزراعات. إلا أن هذا التقسيم الطائفي للزراعة يبقى بعيداً عن التخصص الكامل والشامل لكل طائفة بإنتاج محدد، ويشمل الكثير من الاستثناءات، فيختلف بذلك عن الرياضة في لبنان، وتحديداً كرة السلة الكثيرة الطائفية والتسييس.

ليست كرة السلة في لبنان مجرد رياضة تنافسية بين فرق متعددة تطمح للفوز بالكؤوس. إنما لكل فريق جمهور ذو خلفية طائفية محددة، ويمثل قضية أو رمزية ما تتمظهر في الملاعب ويُهتف لها على المدرجات.

لم تحصد كرة السلة اللبنانية أي اهتمام وأهمية تذكر خلال سنوات الحرب الأهلية (١٩٧٥-١٩٩١) إنما بعد ذلك التاريخ بحفنة من السنوات، لتتحول وتصبح اللعبة الأكثر شعبية في لبنان. مع انتهاء تلك الحرب الطويلة تغيّرت موازين القوى بين الطوائف داخل النظام السياسي. تقدمت الطائفة السنية على بقية الطوائف، فيما مثل رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري ذلك التقدم، وبات، كطائفته، كثير النفوذ والمقدرة في إدارة شؤون لبنان الداخلية. ولأن النفوذ السياسي لطائفة ما يُحتم تمظهرها في كافة الشؤون، فرَد الحريري أمواله المكدسة وسيطر على نادي “الرياضي” لكرة السلة، ليتحوّل هذا الأخير إلى أداة لتأكيد تقدم الطائفة السنية والحريرية في لبنان.

على المقلب الآخر، كان لفريق “الحكمة” المنبثق بشكل أو بآخر عن سلسلة مدارس الحكمة التابعة للكنيسة المارونية دوراً أساسياً في منافسات كرة السلة اللبنانية. ساهم النادي والجمهور التابع له بإظهار ردة فعل مسيحية عامة رافضة للواقع السياسي منذ أواسط التسعينيات إلى حدود العام ٢٠٠٥.

بالمقارنة مع بقية الطوائف، خرج المسيحيون بأكبر نسبة خسائر من الحرب الأهلية. أكدت التسعينيات تراجع دورهم السياسي، كما شهدت نفي وسجن لأبرز قادتهم، فطُرد رئيس الجمهورية السابق أمين الجميّل إلى خارج البلاد، كما نُفي رئيس الحكومة السابق ميشال عون إلى باريس، وسُجن أبرز قادتهم العسكريين سمير جعجع، والذي جرى حلّ حزبه أيضاً والتضييق على مناصريه واغتيال بعضهم.

لم يكن الطرف المسلم في لبنان هو من نكل بالمسيحيين وأفقدهم دورهم بشكل أساسي، إنما الدولة السورية ومخابراتها الرابضة والعاملة في لبنان خلال تلك السنوات، والتي فضلت إضعاف المسيحيين لأنهم، عكس بقية الطوائف، كانوا أكثر مبدأية ورفضوا التسليم بوجودها ونفوذها فيه.

تحوّلت مباريات نادي “الحكمة” إلى منصة للعمل السياسي، ولإظهار الظلم اللاحق بالطوائف المسيحية ونضالها على حد سواء. تحوّلت مباراة الفريق ومدرجاته إلى أشبه بساحات نضال سياسية استبدلت البنادق بالشعارات الحزبية، والمدافع بالهتافات المسيّسة، والعرائض المطلبية بالكلمات الشعبية البذيئة والسوقية.

إنّ نظرة سريعة إلى مباريات تلك الفترة تظهر الجمهور متعمداً، بشكل دائم، إطلاق الهتافات الرافضة للوجود والدور السوري في لبنان، كما شعارات الحرية لسمير جعجع، ويُهرِّب، بين الحين والآخر، الأعلام والشارات الحزبية إلى داخل الملعب لتظهر على شاشات التلفزة التي تنقل المباريات مباشرة على الهواء. أما روابط جماهير النادي فتحولت إلى أشبه بخلايا حزبية تناصر سمير جعجع المسجون وحزبه وتعمل، عن قصد أو دون قصد، على غرز ثقافة سياسية في مناصري النادي الجدد والمتحملقين حوله من اليافعين.

أبقت تلك التصرفات على شعلة أمل للمسيحيين في لبنان باستعادة دورهم المفقود. كما أظهرت رفضهم العام لواقع لبنان الرازح تحت سطوة المخابرات السورية والتقدم اللبناني الإسلامي على حسابهم. لقد أخذ النضال في مدرجات نادي “الحكمة” بعداً سياسياً هاماً لأن جميع أشكال التعبير الأخرى، من انتخابات ومظاهرات واعتصامات، كانت ممنوعة ويُعاقب عليها من تشذ تصرفاته عن ما تريده الإرادة السورية. فكانت مباريات “الحكمة” وحماسة جمهورها المتنفس شبه الوحيد للنضال والتعبير السياسي ورفض الواقع.

عدا ناديا “الرياضي” (السني) و “الحكمة” (المسيحي)، لعبت نوادي أخرى دوراً في إظهار تسييس إضافي لكرة السلة اللبنانية. إن نادي “الهومنتمن” المحسوب على الأقلية الأرمنية اللبنانية، كما نادي “الشانفيل” ذو الجمهور الموالي بأكثريته لتيار ميشال عون، عززوا السياسة في الرياضة. أما الشيعة اللبنانيون فبقوا خارج مدار هذا التنافس الكروي ـــ السياسي ولم يُنشئوا نادياً يمثلهم سياسياً خلال التسعينيات وأول الألفية الحالية، وذلك بالتوازي مع عدم اهتمام الحزب الشيعي الأقوى في لبنان، حزب الله، بالعمل السياسي الكلاسيكي الداخلي وتفضيله نضالاً من نوع آخر.

غالباً ما مر لبنان سالماً عن شفير هاوية حرب جديدة خلال مباريات “الحكمة” و”الرياضي”. أجبر حماس المدرجات والجمهور المتعطش للتعبير، الدولة على تأمين مئات رجال الأمن في الملاعب وخارجها للفصل بين الجماهير، ولتتدارك تكسير السيارات وأعمال الشغب خارج الملعب وفي بعض الشوارع الشعبية الفقيرة. كان لهذه المباريات بُعداً سياسياً واضحاً، وتمثل أكثر من مواجهة رياضية عادية، فهي مواجهة ذات مدلولات طائفية وسياسية بين ناديين أحدهما مسيحي يريد تأكيد رفضه لواقع إدارة لبنان، وآخر مسلم يريد تأكيد تسيّده على السلطة والنظام والنفوذ.

هذا الاستقطاب السياسي للمباريات عزز من قيمة لعبة كرة السلة في لبنان، كما جعلها تخطو خطوات عملاقة نحو الاحتراف. أمن تسييس المباريات الكثير من الجماهير، فراح، بالتالي، رجال الأعمال يستثمرون في النوادي والإعلانات لأن مشاهديها كثر وأرباحها مرتفعة. أدى هذا الأمر إلى تفرغ اللاعبين للرياضة وتوجههم إلى الاحتراف بعدما باتت رواتبهم عالية، فانتهى الأمر بأن تقدمت كرة السلة اللبنانية وباتت تحقق البطولات والكؤوس العالمية والإقليمية.

شهدت السنوات الماضية نجاحاً للبنان في حصد ألقاب بطولة آسيا للدول والنوادي لمرات عديدة، كما عشرات الألقاب الأخرى في البطولات الإقليمية، ومشاركات محترمة عديدة في بطولات العالم. إنّ كل ذلك ما كان ليتحقق لولا تسييس لعبة كرة السلة، والذي أمن لها تنافساً حاداً وجماهير كثيرة ورجال أعمال ومعلنين متعطشين للاستثمار والربح. لو غاب التسييس عن تلك اللعبة لكانت كرة السلة مثل بقية الرياضات اللبنانية، مجرد منافسة لا تتعدى حدود خطط الهجوم والدفاع والتكتيك، ودون جمهور كبير ليرفعها إلى مستوى الاحتراف والتنافس في البطولات العالمية.

مع اغتيال رفيق الحريري وخروج الجيش السوري من لبنان عام ٢٠٠٥، تراجع وهج كرة السلة اللبنانية. خفّ تسييس هذه الرياضة لصالح السياسات الحزبية، إذ شهدت الفترة اللاحقة عودة ميشال عون من المنفى وخروج سمير جعجع من السجن. بات بإمكان من يهوى النضال السياسي ممارسته ضمن الأطر الطبيعية خلال الانتخابات وضمن الأحزاب والتيارات السياسية، خاصة أنّ الحريات العامة تأمنت بشكل كبير بعد الخروج السوري من لبنان، ورسو البلاد على أزمات متتالية عززت من قدرة كل حزب وطائفة على العمل السياسي بشكل حر وشبه مستقل.

كذلك الأمر، ساهم التحالف السياسي الممتد لأكثر من عشرة سنوات بين إبن رفيق الحريري، سعد، وحزب القوات اللبنانية الذي يرأسه سمير جعجع، إلى تراجع وهج مباريات “الرياضي” و”الحكمة”. ما عاد الأول يرمز إلى سطوة ونفوذ الطائفة السنية المتراجعة أمام تقدم الشيعية السياسية في لبنان، ولا عاد الثاني يرمز إلى حالة الظلم بعد مغادرة الجيش السوري وخروج جعجع من السجن واستكمال مناصريه نضالهم في خلايا الحزب وليس، كما كان الواقع عليه في الماضي، في مدرجات الملاعب.

تراجع تسييس كرة السلة أدى إلى تراجع محدود ولكن مضطرد لجمهورها في لبنان. بعض المدرجات باتت شبه خالية خلال المباريات، وحالات الشغب ما عادت ظاهرة إلا فيما ندر. فيما قسم من الجمهور بات يُظهر ميلاً أكبر لمتابعة رياضة كرة القدم اللبنانية حيث تتنافس فرق أغلبها ذو جمهور وهوية شيعية أو سنية.

إن غياب السياسة والطائفية عن قطاع ما في لبنان يفقده بريقه وجمهوره ورمزيته. فيتراجع الى حدود الإهمال وعدم اكتراث الناس، ويخلي الساحة، رويداً رويداً، لقطاع رديف آخر ليعلو ويتقدم مع تقدّم السياسة والطائفية فيه.

ليست الطائفية نقمة دائماً، إنما نعمة أحياناً، وذلك تبعاً لكيفية استعمالها وحدود هذا الاستعمال. ولولا الطائفية ونِعمها وتسييس كل شيء لبارت الكثير من الأراضي والرياضات والنضالات، كما شؤون الحكم والسلطة والهويات والثقافات في لبنان.

Leave a Reply