أوروبا بين هجرتين: تنامي المشاعر العدائية ضدّ الأقليات

جو حمورة

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، كان للمجهود الأوروبي في التّرفع عن المشاعر العنصرية والطائفية أثر كبير في بناء أوروبا الجديدة. غلبت روح التّسامح بين الأوروبيين مقارنة مع باقي شعوب العالم خلال الحرب الباردة كما بعد نهايتها، إلا أنّ صعود الإسلام على مسرح أحداث العالم في العقدين الأخيرين نتج عنه ردود فعل موازية تلخّصت في صعود اليمين الأوروبي لمواجهة “الخطر الآتي من الشرق”، وذلك بعدما باتت حركات الهجرة الكثيفة إلى الغرب وأسلوب حياة المهاجرين المختلف عن الأوروبيين يشكّلان أخطارًا على هويّة أوروبا ذاتها.

ما إنّ قام آندرز بيهرنغ بقتل 77 شخصًا في العام 2011 في مخيمٍ صيفيّ في النروج، وتبريره لفعلته هذه بأنّه يسعى لـ” تخليص أوروبا من الإسلام”، كان واضحًا أنّ مستقبل أوروبا ونظرتها إلى الآخر باتت في مرحلة مختلفة. وعلى الرّغم من فظاعة الجريمة من حيث عدد ضحاياها، إلا أنّ العدائية تجاه المسلمين ومختلف المهاجرين إلى أوروبا في السّنوات اللاحقة أصبحت أكثر بروزًا، كما باتت التّصرفات العدائية أكثر تكرارًا. بالتوازي، شكّل صعود الأحزاب اليمينية في السّنوات الثلاث الأخيرة في كلّ من فرنسا وإيطاليا واليونان وألمانيا والسّويد وغيرها، مؤشّرات ملموسة على مدى بروز الهجرة والخوف على هويّة أوروبا كعواملٍ أساسية في التّأثير على مزاج النّاخب الأوروبي، كما على ردّات الفعل الشّعبية غير المنضبطة التّي يسقط أكثر ضحاياها من المهاجرين حيث كان آخرها مظاهرات في ألمانيا وحرق مساجد في السّويد.

10885278_840006799374472_1468075883694218925_n

شهدت ألمانيا خلال الأسابيع القليلة الماضية مظاهرات في عدّة مدن تندّد بما وصفته بـ “أسلمة الغرب”، كما برزت حركة سياسية شعبية بدأت تأخذ مداها في أوروبا حاملة إسم حركة “الاوروبيين الوطنيين ضد أسلمة الغرب – PEGIDA”، والتّي تضمّ في إطارها أفرادًا غير مسيّسيين بشكل عام ومن مختلف الطّبقات الإجتماعية. ومن الملحوظ أنّ ألمانيا التي تعد موطنًا لأربعة ملايين مسلم، تمثّل مكانًا محببًا للهجرة أكان من الشّرق العربي والإسلامي أو من أوروبا الشّرقية، فيما المشاعر العدائية تجاه الوافدين الجدد من ضحايا الحروب والفقر وطالبي اللجوء السّياسي في تصاعدٍ مستمرٍ، ما ينبئ بأنّ “المواجهة” بين الطّرف الوافد والطّرف المقيم لا تزال في بدايتها.

أمّا في السّويد، فتأخذ العدائية ضدّ المسلمين طريقة مختلفة عن تلك الألمانية، حيث يعمد بعض السّويديون إلى إحراق المساجد في الليل والإعتداء عليها، حيث كان آخرها إحراق مسجدان في الشّهر الأخير من العام 2014. في حين أنّ هذه الأعمال لم تكن الأولى من نوعها في البلاد، حيث أكّدت مؤسسة “إكسبو” المعنية بزيادة التّوعية حول قضايا العنصرية في تقريرها السّنوي توثيق 12 اعتداءً مباشرًا على المساجد خلال العام الماضي.

لا تأتي هذه العدائية من عدم، إنّما هي سبب مباشر لزيادة تأثير عامل الهجرة الإسلامية إلى أوروبا في تغيير هويتها. كما تلعب الحروب التي تشهدها كلّ من سوريا والعراق وليبيا والأزمات الإقتصادية والأمنية التي تشهدها بلاد آخرى كأسباب مباشرة للهجرة المكثّفة إلى أوروبا. كذلك، يعود جزء من العدائية الأوروبية الناشئة إلى فشل مشروع إندماج الأقلّيات المهاجرة في المجتمعات المُضيفة، والتّي تعمد غالبًا إلى السّكن والعيش ضمن “غيتوهات” ومجتمعات مغلقة في أطراف المدن الأوروبية وفق عاداتها الآتية معها من الشّرق.

بموازاة تشكّل المجتمعات الإسلامية في المدن الأوروبية، تبرز الهجرة المعاكسة للمسلمين القادمين إلى “الدّولة الإسلامية” كخطرٍ آخر على أوروبا وأمنها. فهؤلاء، والمقدَر عددهم بعشرات الآلاف، تشرّبوا العقائد الإسلامية المتطرّفة في أوروبا وسيشكّلون خطرًا عليها بعد عودتهم مهزومين أو مظفّرين إليها، خاصّة وأنّهم أبناء “الغيتوهات” الإسلامية في الضّواحي الأوروبية أصلًا ولهم تأثير كبير على أبنائها.

————-

جو حمورة، أوروبا بين هجرتين: تنامي المشاعر العدائية ضد الأقليات، مجلة المسيرة، العدد 1491، في 19 كانون الثاني 2015.

Leave a Reply